الرئيسية 10 مقالات 1 10 البصرة.. عاصمة العراق الاقتصادية ومستقبله

البصرة.. عاصمة العراق الاقتصادية ومستقبله

د ” لؤي الخطيب”

البصرة: عاصمتنا الاقتصادية ومستقبلنا الواعد، خراب العراق من خرابها، ونهضته من نهضتها”. بهذه الجملة استهللّت كلمتي في مؤتمر إعمار البصرة الذي اُقيم في دولة الكويت في شباط 2008، وقد تجاوز عدد الحضور 2000 رجل أعمال بمشاركة مئات الشركات من سبعين دولة. ذلك الحدث الذي سبق مؤتمر اعمار العراق الذي احتضنته ذات الدولة بذات الشهر في عام 2018 بعد مضي عشر سنوات عجاف من الفساد والفشل والاهمال المتعمد وتسويف الوعود الكاذبة.
لستُ هنا بصدد استعراض الأسباب الموجبة التي تحتم على العراق ان يعمل جاهداً لتكون البصرة عاصمته الاقتصادية وبوابته على العالم، فهذه المدينة تحمل تأريخاً ثرياً وإرثاً حضارياً وتنوعاً ثقافياً وشعباً واعياً ومقومات دولة واعدة تتجاوز بمقدراتها أفضل الدول استقراراً وازدهاراً في الشرق الأوسط وافريقيا. لكن النفوذ المتواطيء على خراب العراق تضافر على خراب البصر لوأد مستقبل بلاد الرافدين شعباً وبلداً، ولتنتهي هذه المدينة الى مستنقع آسن يستصرخ السماء ماءً وهواءً، وتكثر فيها الجريمة المنظمة بكل أشكالها من اختطاف للاطفال واعتداء على الاعراض وقتل للنفس البريئة وانتشار للمخدرات والجماعات المسلحة وانهيار القيم الأخلاقية والمجتمعية حتى بين من يدعي الانتماء الى عشائرها. لقد تمادت المجاميع المسلحة في استهتارها على سلطة الدولة وفي ظل انعدام الخدمات العامة اضافة الى تفشي البطالة وغياب الزراعة والصناعة وتدهور الوضع الصحي والثقافي والمعيشي.
هل يُعقل أن المدينة التي تأسست الدولة العراقية الحديثة على عاتقها ومن منابع نفطها خلال قرن من الزمن، ثم منحت النظام الجديد بعد عام 2003 قرابة ترليون دولار لم تنل حتى عشرة بالمئة مما نالت منه محافظات أقليم كردستان العراق التي نهلت من خيراتها أكثر من 120 مليار دولار في 15 عاما؟! وهل يعلم العالم ان الاحزاب الحاكمة التي تسلطت على بغداد وتولت حكومة البصرة قد إئتلفت واجتهدت في خنق هذا المدينة التي تنتج 95٪ من نفط العراق لتمنعها من توفير فرص العمل لأبنائها وإجهاض انشاء ميناء الفاو الكبير والمطارات الحديثة والبنايات العامرة والمرافق السياحية والمزارع المثمرة التي كان من الممكن ان تُقام من الاستثمارات الاجنبية بمجرد تقديم التسهيلات للشركات العالمية والقطاع الخاص دون محاربتهم بِمُسَوغ السياقات البيروقراطية الطاردة والمانعة للتطوير. اذا لم يكن هذا تواطؤاً متعمداً على خراب البصرة بل على عموم العراق، فما هو التواطؤ بحق السماء؟!
حتى النظام الفيدرالي في العراق عُطّل بشكل متعمد لكي لا تستأنس هذه المدينة في حقها الدستوري وصناعة قراراتها. لقد شاءت الاقدار لتبقى البصرة بقرة حلوبا يمص عطاءها أمراء الطوائف من كل حدب وصوب، حتى آخر قطرة نفط دون ان يَنعُم أهلها من خيراتها. لكن هذه الحالة لن تستمر، وستولد غضباً شعبياً عارماً يتفاقم بمرور الايام ولن يهدأ بانتهاء موسم الصيف القائض.
لقد انتفض شباب البصرة على هذه الذلة ولن تستطيع اي حكومة امتصاص نقمتهم أو شراء ضمائرهم الا ان يكون للبصرة قرارها السيادي في تحقيق العيش الكريم لأهلها قبل غيرها من مدن العراق. لعل الحل الامثل لتصليح ما أفسده الدهر هو اجتهاد الحكومة الاتحادية الجديدة وما يليها من حكومات على تحويل البصرة الى مصاف افضل مدن العالم ازدهاراً، وذلك من خلال اتخاذ الاتي:
أولاً: تفعيل الدور الفيدرالي لعمل استفتاء محلي وتحويل البصرة الى اقليم ضمن إطار الدولة الاتحادية، لها حكومتها المنتخبة وبصلاحيات تنفيذية واعدة لا تقل شأناً عن صلاحيات اقليم كردستان العراق، شريطة الالتزام بضوابط الدستور العراقي.
ثانياً: تجريم كل من يحمل السلاح خارج سلطة الحكومة العراقية، محلياً واتحادياً، ونزع السلاح عن العشائر والمليشيات وغيرها.
ثالثاً: تفعيل دور المجلس الأعلى لإعمار البصرة الذي أسسه رئيس مجلس الوزراء د. حيدر العبادي واسناده بصلاحيات واسعة تُسهل عمل الوزارات الاتحادية والمؤسسات المحلية لجذب الاستثمارات وفتح الشركات من خلال نافذة واحدة، واستحداث محاكم خاصة بصلاحيات دستورية للبت في حل مشاكل المستثمرين أشبه بتلك التي تعمل في مركز دبي المالي العالمي.
رابعاً: انشاء مدينة الطاقة التي ترفد العراق بكل ما يحتاجه من توليد كهربائي ومشتقات نفطية وبتروكيمياويات، لا تقل كفاءتها وطاقتها الانتاجية من منطقة جبيل السعودية ومثيلاتها، وصولاً الى الطاقة التصديرية للدخول في حقل المنافسة العالمية.
خامساً: بناء ميناء العراق الكبير بإستثمار شبه جزيرة الفاو لتكون منطقة اقتصادية حرة تربط العراق بالأسواق الآسيوية، مع مطار خاص ومرافق سياحية جاذبة للشركات العالمية، وربط هذا الميناء بسكة حديد ستراتيجية مع خطوط سكك تركيا وصولاً الى أوروبا.
سادساً: إنشاء أكبر مطار تجاري في الشرق الاوسط الاستثمار المباشر وبمعايير دولية عالية يربط العراق بالعالم، واستحداث اسطول جوي متطور يضاهي بخدماته افضل ناقل جوي في الشرق الاوسط. كذلك التعاقد مع الشركات الانشائية الرصينة لتخطيط مدينة البصرة وتوسعتها ولتكون أهم معلم عمراني شرق أوسطي يضم مرافق الاستثمار والسياحة والثقافة والتعليم والصحة.
يكون تمويل هذه المشاريع العملاقة من خلال الاستثمار المباشر بضمان شراكة الحكومة العراقية وبحصة 20٪ تُخصص من واردات النفط والغاز المنتج من البصرة بنسبة لا تقل عن 10٪، وهذا أقل ما يمكن للبصريين قبوله، وفاءً للبصرة وخدمة للعراق.
نقلا عن “المدى”

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بغداد بلا ذوق !

جعفر الونان بغداد مدينة أشباح، مدينة بلا أناقة، بلا ...