الرئيسية 10 مقالات 1 10 صيف العراقيين : حر وتظاهرات

صيف العراقيين : حر وتظاهرات

ياسين طه

يختلط في شهر تموز/يوليو من كل عام في العراق، تبادل التهاني بميلاد ملايين الناس، مع تظاهرات احتجاج تتجدد سنوياً بسبب استمرار المعاناة بسبب الحر الشديد ونقص الكهرباء، نجم عنها هذا العام مقتل شاب عاطل من العمل، أعقبته تهديدات عشائرية ودعوات لتغيير النظام.

ففي اليوم الأول من تموز في كل عام ميلادي، يحل موعد احتفال غالبية العائلات العراقية بأعياد ميلاد آبائهم وأجدادهم، وذلك بسبب اعتبار دائرة الأحوال المدنية العراقية في عام 1957، الأول من تموز، يوم ميلاد لكل مواطن لم يتم تسجيله قبل ذلك العام في السجلات الرسمية، ونسي ذووه يوم مولده على وجه التحديد.

هذا الشهر الذي يحمل اسم أحد آلهة العالم القديم لحضارات وادي الرافدين، لا يختص بميلاد العراقيين فقط، بل يشهد جدلا محتدماً متكررا أيضا، حول اعتبار الـيوم الـ14 منه ثورة أم انقلاباً؟ أو يوم عيد وطني؟ أم بداية لعهد الانقلابات الدموية والنكبات؟ إذ شهد ذلك اليوم سقوط الملكية وإعلان الجمهورية العراقية الحديثة، بعد تحرك الجيش ضد الملك الهاشمي “فيصل الثاني” وعائلته وقتلهم وسحلهم في شوارع بغداد باستثناء أميرة صغيرة، أنقذها أحد الضباط في الواقعة المعروفة تاريخياً بـ “مجزرة قصر الرحاب”.

لقي شاب عاطل من العمل مصرعه برصاص “قوة ضاربة”، وأصيب ثلاثة آخرون بجروح

وتزامناً مع هذا الجدل البيزنطي غير المنتهي بشأن أفضلية النظام الملكي أم الجمهوري لحكم العراق، تشهد مدن البلاد كل تموز منذ سنوات، تظاهرات وإطلاق دعوات إلى الاحتجاج بسبب ارتفاع درجات الحرارة نحو مستويات قياسية، وتزايد ساعات القطع المبرمج للكهرباء، فضلاً عن النقص المتزايد في تأمين المياه الصالحة للشرب لسكان المحافظات.

فقبل حلول تموز هذا العام (2018) أطلق ناشطون “نداء 88” على منصات التواصل الاجتماعي، دعا إلى الثورة وتغيير نظام الحكم في العراق. تعاطف مع النداء جمع من رواد العالم الافتراضي، لكنهم جوبهوا ببيان عسكري صارم من “قيادة العمليات المشتركة”، يحذرهم من التظاهر من دون ترخيص مسبق من السلطات، صاحبته حملة واسعة لاتهام أصحاب النداء بالانتماء إلى البعث، نظرا إلى حمله إشارة لتاريخ إعلان الانتصار على إيران من قبل نظام صدام “8/8/1988″، إلا أن القائمين على النداء شددوا على أنه يرمز إلى تكرار الدعوات والمناشدات المتواصلة للتغيير وتحسين أحوال الناس.

تبرأت غالبية الحركات المعنية بالحراك الشبابي والجماهيري من “نداء 88” الإلكتروني، لكن هذا لم يمنع اندلاع تظاهرات ليلية فعلية في محافظات جنوب العراق ذات الغالبية الشيعية، احتجاجا على الأوضاع الخدمية لا سيما في مدينة البصرة الغنية بالنفط، والتي يقول كثيرون من أهلها إنهم لم يجنوا من هذه الثروة سوى التلوث البيئي وانتشار أمراض السرطان.

القوات الأمنية تصدت لتظاهرات البصرة، ولقي شاب عاطل من العمل مصرعه برصاص “قوة ضاربة”، وأصيب ثلاثة آخرون بجروح، وبادرت أطراف عدة بإصدار بيانات استنكار وإدانات، واتهامات بتكرار سلوك البعث، وإلا فكيف يمكن تبرير قتل شاب متظاهر خرج للمطالبة بفرصة عمل؟ لكن السلطات بادرت فورا إلى امتصاص ردود الأفعال، عبر جولة رئيس اللجنة الأمنية، محافظ البصرة، أسعد العيداني، على عشائر المدينة الغاضبة المتضامنة مع ذوي الشاب القتيل، وإصدار أمر بإيقاف “القوة الضاربة” عن العمل، وإحالة مشتبه فيهم بإطلاق النار إلى التحقيق.

متظاهرو البصرة والمتعاطفون معهم في محافظات الجنوب والفرات الأوسط، يعبرون عن سخطهم واستيائهم عبر إغلاق الطرق الرئيسية التي تربط المحافظات ببعضها بعضا وبالمنشأت، ويحاصرون الآبار والمشاريع النفطية، ويشعلون الإطارات ليلا على الطرقات، مع ترداد شعارات تندد بالفساد والسلطة الحالية بسبب انقطاع طويل لخدمة الكهرباء “الوطنية”، وارتفاع ملوحة المياه، وانخفاض مناسيبها بشكل حاد، في ظل تصدر مدنهم قائمة “الأعلى درجة حرارة في العالم”، بحسب بيانات نشرات جو أميركية بينها “محطة بلاسير فيلي”، بعد تجازوها حاجز الـ50 درجة مئوية في الظل.

مشكلات المتظاهرين لا تنحصر بالكهرباء والمياه فقط، بل تشمل انتشار بطالة الشباب الخريجين، في شريان العراق الاقتصادي “البصرة”، والتي تأسست الدولة العراقية الحديثة على عاتقها ومن منابع نفطها خلال قرن من الزمان، حيث قدمت هذه المدينة النظام العراقي الجديد بعد عام 2003 قرابة تريليون دولار، عبر إنتاجها 95 في المئة، من نفط العراق بحسب إحصاءات رسمية وشبه رسمية، لتجد نفسها أخيرا غارقة في البطالة ومفتقرة إلى المشاريع الحيوية الاستراتيجية التي تليق بحملها اسم “العاصمة الاقتصادية”، مثل الموانئ والمطارات الحديثة، والمرافق السياحية والمشاريع الزراعية الضرورية لمدينة كان ينظر إليها كـ “فينسيا العراق” لاحتضانها “شط العرب” وقربها من الخليج، قبل أن يسود فيها الخراب والفلتان الأمني والنزاعات العشائرية، والأنكى من ذلك انتشار المخدرات المهربة من إيران وأفغانستان، بشكل واسع.

يرى مراقبون أن المواجهات التي تحصل ليلا في البصرة وجوارها من مدن الجنوب، هي امتداد وتكرار لتظاهرات تموز العراق في كل عام، والتي تنشب نتيجة تعكر المزاج بسبب الحر ونقص الكهرباء، فيما لا يستبعد آخرون أن يتوسع الحراك لعموم المحافظات بعد إطلاق دعوات لذلك من قبل فاعليات شعبية وشبابية بينها العاصمة بغداد، في ظل إحباط كبير ناجم عن غموض المستقبل السياسي للبلاد، بعد دخول نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة “12 أيار/مايو 2018” في متاهات، يدور حديث عن حسمها شهورا، وانسداد آفاق التغيير واليأس من نظام المحاصصة الطائفية والسياسية الذي أعاد العراق إلى الوراء سنوات عدة، بحسب الكثير من البحوث والمراجعات.

نقلا عن موقع “درج”

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ذئاب منفردة وخلايا نائمة

عباس الصباغ لايجانب الحقيقة من يقول ان داعش كتنظيم ...