الرئيسية 10 مقالات 1 10 أهمية الدين { مراجعة في القضايا الدينية والأخلاقية } ( تعاليم + تأويل منسجم ونقد هادف ).

أهمية الدين { مراجعة في القضايا الدينية والأخلاقية } ( تعاليم + تأويل منسجم ونقد هادف ).

✍🏿 بقلم / الشيخ عبد الهادي الدراجي

الطريق الى الله يمر عبر بوابة الأنسنة والأيمان فطري وبتلك الفطرة يمكن للأنسان الأستدلال على طرق معرفة الخير ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيَّم)، ما اريد رصده هي تلك النقمة المطلقة على التراث الديني من قبل بعض الناقدين بمختلف توجهاتهم وأفكارهم التي هي بالتضاد مع الدين وهذا على أطلاقه غير صحيح بالمرة، أن مسألة الدين وتراثه الأخلاقي أمرٌ مطلوب وغاية جميلة فالدين حاله حال بقية القطاعات المختلفة التي تحتمل التأويل والتصحيح والمراجعة الذاتية والغيرية وكمثال على ذلك مانلاحظه من النقد الدائم والمستمر وكذا تأويل كثير من النصوص في المدارس المسيحية واليهودية والتي دائماً ماتتعرض للنقد والتأويل من قبل الباحثين والمفكرين والفلاسفة، لكنه أي الدين يبقى العنوان الأبرز والهوية الذاتية للفكر الغربي المؤمن بالأصول الدينية كالمسيحية واليهودية بل تعتبر تعاليم الدين عند بعض فلاسفة الغرب ليست فقط للتبشير او للتحفيز بل هي معيار للعدالة والحرية والأخلاق وهذا ما تؤكده كلمات كبار الفلاسفة الغربيين حيث يؤكد “يورغن هابرماس ” على تلكم الحقيقة حينما يقول : (( لقد كانت المسيحية أكثر من مجرد بشير أو محفز لخلق الوعي الذاتي الحديث ، فمبادئ المساواة والكونية ، والتي ظهرت منها أفكار الحرية ، والتضامن الأجتماعي ، والسلوك المستقل في الحياة ، والتحرر ، والتي ظهرت منها أيضاً أخلاق الضمير الفردية ، وحقوق الأنسان والديمقراطية ، كلها كانت إرثاً لأخلاق العدالة اليهودية وأخلاق المحبة المسيحية ، إن هذا الميراث لم يتغير جوهرياً ، ولكنه كان وما يزال موضوعاً للنقد وإعادة التأويل حتى هذا اليوم ، ليس ثمة بديل آخر . وفي ضوء التحديات الراهنة للتشكلات مابعد القومية ، فإننا نستمر في الأعتماد على جوهر هذا التراث . وكل ماسوى ذلك هو مجرد ثرثرة ما بعد حداثية. يورغن هابرماس.
من كتاب الأسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية. ص8)).

وفي موضع آخر يقول الرئيس الأمريكي باراك اوباما {{ إن العلمانيين مخطئون حين يطلبون من المؤمنين أن يتركوا دينهم على الباب قبل أن يدخلوا الى الحيز العام . إن غالبية المصلحين الكبار في التاريخ الأمريكي ، أمثال فريدريك دوغلاس ، وأبراهام لينكولن ، ووليام جيننغز بريان ، ودوروثي داي ، ومارتن لوثر كينغ ، لم يكونوا مدفوعين بإيمانهم وحسب ، بل كانوا يستعملون لغة دينية لنشر قضيتهم والدفاع عنها . لذا ، فأن نقول بأنّ على الرجال والنساء ألّا يُقحموا “أخلاقهم الشخصية ” في النقاشات حول السياسات العامة ، لهو أمرٌ سخيف عملياً . إن قانوننا ، بحكم تعريفه ، هو مدونة للأخلاق ، التي تقوم معظمها على التقاليد اليهودية – المسيحية. باراك حسين أوباما. المصدر اعلاه }}.

من هنا ارى ان جوهر كلمات بعض المعترضين من داخلنا العربي والأسلامي هي نسف للتراث الديني برمته في حين نشاهد ان كبار الفلاسفة والمفكرين وكبار الساسة في الغرب يجعلون قيمة الحراك الفعلي هو في المحافظة على التراث الديني كهوية أوربية باقية شرط الأعتماد على هيرمنيوطيقا صحيحة ونقد للدين بأطار صحيح ، نعم ليس من حق الديني ولا غيره أختصار طريق معرفة الله وأنه الممثل الحقيقي له في الأرض سوى مراعاة حقوق الغير وواجباتهم تجاه الأنسان والطبيعة وكذا الجماد والحيوان كلٌ له نصيب في تلك الحقوق والواجبات وتلك هي ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) وليس الشعارات والبهرجات الدينية الزائفة ، نعم لازال الأنسان ذئبٌ لأخيه الأنسان على عبارة توماس هوبز ، مالم تنتظم منظومة الأخلاق القيمية في كافة المجتمعات البشرية لتنعم بسلام ووئام وعدالة مجتمعية متكاملة وذلك لايحصل الا من خلال الأطار الأخلاقي العام والذي يأتي من ضمير حي ذاتي لا علاقة له بالدين. أنما تأتي تعاليم الدين كمنبهات خارجية ومحفزات لذلك الوازع الأخلاقي في الضمير الحي. منها على سبيل المثال لا الحصر في واقعنا الديني الأسلامي كتعاليم تدعوا لأيقاظ ذلك الضمير الحي من خلال ممارسة الأخلاق الفعلية التي هي غاية الغايات في حياة مجتمع متكافل ومتعاون ومتفانٍ في الحب والأخلاص وسعادة الآخر وتوفير حياةٍ حرة كريمه ارادتها السماء ان تكون هكذا وليس غير وما اجمل ما يمكن رصده في حديث النبي الأكرم ص لرفد الضمير الحي بتلك التعاليم :

• أن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خُلقاً

• وأن أكملهم إيماناً أحسنهم خُلقاً

• وأن من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خُلقاً

• وأن خير ما أعطى الإنسان خُلقٌ حسن

• وأنه مامن شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلقٍ حسن

• وأن المؤمن ليدرك بحسن خُلقه درجة الصائم القائم بل إن العبد ليبلغ بحسن خُلقه عظيم درجات الجنة ، والخُلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد ، والخُلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.

من هنا يظهر جلياً اتفاق المدرستين الغربية والأسلامية على أن الدين يعتبر هوية أساسية في التعاطي البشري مع مقدرات الحياة وملازماتها الضرورية والفاعل فيها (الأنسان ) نفسه الذي يعتبر المسؤول الأول عن صياغة مفاهيم الدين وأنسجامه مع متطلبات الزمن والمرحلة التي هو فيها بل للعوامل الجغرافية والبيئية والأجتماعية دخلٌ دخيل في صياغة الدين وتقديمه كنموذج من النماذج التي تشترك في صناعة القيم والأخلاق والقوانين الصحيحة التي تهدف لأسعاد البشرية وتنمية وتطوير قابلياتها وأستعداداتها في صنع (حياةٍ)ملؤها الحب والوئام والتكافل الأجتماعي والتعاون المشترك تحت قاعدة ( الناس صنفان اما اخٌ لك في الدين او نظير لك في الخلق ) كما ورد عن علي عليه السلام ، ولا يتحقق ذلك الّا من خلال مرحلتين ( ضمير حي ذاتي/ تواصلية أخلاقية ذاتية ) وهذا ما اتفقت عليه كلمات قادة الدين وكذا الفلاسفة والمفكرين والى هذا المعنى يشير أستاذ الفلسفة الأخلاقية والسياسية في جامعة تونس [ منير الكشو ] في مقارنته بين السياقين الغربي والعربي في مقالته التي تحمل عنوان علمنة الأخلاق وظهور مجال الضمير فهناك يؤسس لفلسفة كانط الأخلاقية التي تتفق مع بعض الفكرة التي طرحناها حيث يقول [ تكتسي النظرية الأخلاقية الكانطية أهمية خاصة في تاريخ الفلسفة الأخلاقية الحديثة في هذا المجال؛ إذ إنها ُوّفـقـت فـي الصياغة النسقية والُمّتسقة لمفهومين أساسيين للفلسفة الأخـلاقـيـة الحديثة.هـذان الـمـفـهـومـان هـمـا الإرادة الــحــّرة بـاعـتـبـارهـا مـبـدأ تـشـريـع ذاتــــي،والاسـتـقـلالـيـة مــن حـيـث هــي نــامـوس ذاتــي (Auto nomos) في مقابل التبعية لناموس خارجي (hetero nomos) . وتكمن أهمية كانط، كما يرى شنويند،في أن انخراطه المعياري في الدفاع عن تصّور للأخلاقية بوصفها ُحكم الـذات لذاتها جعله ينتهي إلــى فــّك الارتــبــاط بين الأخـــلاق والإبستيمولوجيا وكــذلــك الأخـــلاق والأنـثـربـولـوجـيـا.فمنجهة يجعل الانقطاع بين أحكام الوجودوأحكام الوجوب تعّرف الشخص إلى واجبه الأخلاقي لايشترط عـلـًمـا ومـعـرفـة نـظـريـة ؛ فـالـحـّد الأدنــــى مــن كـفـايـة التمييز يجعل الــمــرء قــــادًراعـلـى إدراك الأمـــر الأخـلاقـي القطعّي ومطابقة سلوكه وفق مقتضياته،ومن جهة أخرى اعتبار الفعل الأخلاقي فعًلا حًّرا والذي جعل كانط يرفض تأسيس الأخلاق على الأنثروبولوجيا ؛ فمهما تكن المعرفة التي لدينا بالإنسان كما سّوته الطبيعة، أي كواقعة ضمن نظام للوقائع يخضع بالتالي للحتمية الطبيعية،يظّل الفرد بالنسبة إلى كانط ، بوصفه كائًنا عاقًلا ومتناهًيا ، قادًرا دوًما على اقتلاع نفسه من نظام الأسباب ليلج نظام الغايات ، وليجعل سلوكه نابًعا من إرادة حّرة ومن مبدأ تحديد ذاتي.من هنا يصبح من اليسير على كانط أن يقيم الأخلاقية على هذه النواة الصلبة المتمثلة في قانون يلزم به البشر أنفسهم، جاعلين منه الدافع لفعلهم .ويسّمي كانط هؤلاء الناس فاعلين مستقلين بذواتهم وحاكمين أخلاقًيا لأنفسهم.] انتهى كلام منير الكشو.
وهذا تماماً مايمكن رصده في الدين نفسه ، ففي تتبع كلمات الأمام علي عليه السلام عن الضمير والواعظ الذاتي الأخلاقي نجد هذا البعد المعرفي حاضرا وبقوة حيث يقول ع [ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لا زَاجِرٌ وَلا وَاعِظٌ ] ويقول في موضع آخر [ مَن نظر في عيبِ نفسه ، اشتغل عن عيبِ غيرهِ ].
وعلى ضوء ماتقدم يمكن الاستنتاج على اهمية الدين كهوية أساسية انبثقت من صلب معاناة الأنسان تُضاف اليه جملة من الهوايا الفرعية الأخرى كالعلمانية والليبرالية والمدنية وغيرها ، شريطة التواصلية الدائمة والمستمرة بين ذاتِ تلك الهويات ومد جسور المعرفة بينها جميعا ، وشرط آخر هو اخضاع النص الديني أحياناً لبعض النقد المستمر وكذا التأويل الذي يتناسب وأطلاق تلك التعاليم الدينية التي صدرت من أنبياء وقديسين وأولياء وأئمة.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعلمت من التظاهرات

فارس حرام تعلّمت من التظاهرات أن أكون صريحاً أكثر، ...