الرئيسية 10 مقالات 1 10 تعلمت من التظاهرات

تعلمت من التظاهرات

فارس حرام

تعلّمت من التظاهرات أن أكون صريحاً أكثر، واضحاً أكثر، جريئاً أكثر، شجاعاً أكثر. – منحتني ثلاث سنوات من الوقوف مع شركاء التظاهر في ساحة ثورة العشرين منذ ٢٠١٥ ما لم يمنحه لي عمري كله وقد زاد على أربعة عقود! كشفاً لبواطن التناقض في النفس البشرية، وإسقاطاً للأقنعة، وإشاحةً عن وجه الغرابة في مجتمعنا، حين يثور يوماً ويسكت أياماً، وحين يتقصّى مواجهة الصغار ويترك الكبار، وحين يتلهّى بقليل من القشور عن كثير من اللباب الخطير! – تعلّمت أنا بدوري أن أواجه كثيراً من التناقضات في داخلي، وبدأت أعيد ترتيب كياني النفسي وملامح وحهي انطلاقاً من أنّني “متظاهر”، أصبحت أعتني أكثر بالوقوف في طابور الانتظار في أي مكان، وأزيد الحرص على الاعتزاز والاحترام حين أكلم صاحب محلّ أشتري منه، وأن أزيد الترويج فيمن أعرفهم من أقاربي ومعارفي عن ضرورة عدم تجاوز إشارة المرور، وعن لبس حزام الأمان عند السياقة، وعن تكليم المرأة والطفل بأكثر قدر ممكن من اللطف، ويوماً بعد يومٍ أصبحت أتدرّج صعوداً في حساب المسؤوليات، أصبحت أدقق في الدوائر الحكوميّة التي أزورها عما إذا كان فيها علامات فساد، أسجّل ملاحظاتي عنها في الذهن أو في الدفتر، وأصبحت أتجنّب قدر الإمكان مصادقة مسؤولين عليهم شبهات فساد كانوا حتى وقت قريب من الشخصيات التي أعتبرهم “أصدقائي” غاضّاً النظر عن هذه الشبهات. أصبحت عبارة “بغض النظر” شغلي الشاغل، وكنت أقلّب النفس كثيراً من الأحيان بأسئلة موجعة للضمير: كيف؟ كيف أتعامل مع هؤلاء كأنّ شيئاً لم يكن؟ حتى حذفت توصيفهم من داخلي بـ “أصدقائي” وارتحت، وأصبحت لا أتشرف بهذه الصداقة وغدا كثير منهم خصوماً أتظاهر وأكتب ضدّهم لا لشيء إلا لأنهم فاسدون أو عليهم شبهات فساد، وما بقي لا يتجاوز مصافحة عابرة في الأماكن والمناسبات العامة درءاً لما يترتب اجتماعياً على خلافها. وباختصار أصبحت أنظر بوضوح أكثر وأفهم أننا في الوقت الذي يستحيل فيه أن نكون ملائكة فإن من الممكن في الأقل أن لا نكون شياطين!

– تعلّمت من التظاهرات أنّها ليست الشكل الاحتجاجي الأقوى للتغيير كما يشاع عنها عادة، وإنما الإيمان المستمر بالتغيير هو أقوى من التظاهرة نفسها. ولهذا فإن الشعب العراقي تعوّد أن يتظاهر بين الحين والآخر أكثر مما يؤمن بالتغيير، وهكذا يتأخر التغيير دائماً. إيمان كهذا تكون التظاهرة شكلاً من أشكال تحققه، بل يكون التغيير نفسه محطة من محطاته وليس آخر المطاف.

الإيمان بالتغيير روح وعقل يحميان جسد الشعب من الشيخوخة، والشعب حين يرى أنه “غيّر” وقد آن له أن يستريح ويتخلى عن الإيمان المستمر بالتغيير فقد دخل سن الشيخوخة لا محال. ولهذا لا أنفكّ عن الشعور بأنني كائن محتجّ، وروح احتجاجية لكي أضمن أنني أسهم باستمرار بالتغيير، ولهذا لا ينبغي للمؤمن بالتغيير أن تكون التظاهرة آخر عهده بتغيير الواقع، وإلا كان متظاهراً فقط، أي صاحب مطالب جاهزة إن تحققت سكن وسكت ونام.

الاحتجاج بهذا المعنى هو طريقة حياة وشغف مستمر، نكون فيه محتجين دائماً على ما يشكّل خطراً على روح الانسان والمجتمع وسلامه ومستقبله، وهذا يتجاوز تغيير محافظ هنا، ووزير أو رئيس وزراء هناك، إلى الإيمان المستمر بأننا حرّاس قيم. المحتجّ الحقيقيّ هو حارس قيم وليس صاحب مطالب فقط. – تعلمت من التظاهرات أن الشباب لا يقلون ذكاءً ميدانياً وعقلاً مفتوحاً وحسّاً قيادياً عمن أكبر منهم، وأنَّ قمعهم الاجتماعي باسم “اسكت بعدك شاب” هو إزاحة لا داعي لها لطاقات هذه الشريحة المهمة والخلاقة. ولهذا استطيع من دون رومانسية أن أقول إنّ الشباب الحاليين وإن بدوا مشاكسين وصعبي المراس إلا أنهم أنقى جيل عرفه العراق حتىّ الآن، جيل لم ينشأ في “عراق صدّام” المربك المريب، ولم تترك آلاته البوليسية المرعبة جرحاً عميقاً في النظر إلى العالم وإلى النفس، فبدا غير شكّاك بالآخرين، وغير شكّاك بنفسه، وهنا مصدر قوّته وضعفه في آنٍ واحد. “قوته” لأن قلة شكّه بنفسه منحته الثقة لأن يقول ويفعل ويحتجّ ويحاول التغيير، و”ضعفه” لأن قلة يقظته أمام سلوك الآخرين تجعله أحياناً يضع ثقته النابعة من نقاء سريرته فيمن لا يستحق من السياسيّين أو الشخصيات العامة أو الناشطين الأكبر سناً، ويكون الوقت قد فات عليه حين يكتشف أن هؤلاء خدعوه واستخدموا تعطّشه للتغيير وسيلة لبلوغهم السلطة أو الجاه أو المال.

– تعلمت من التظاهرات أن أحب وطني أكثر، ومجتمعي أكثر. أصبح رصيف الشارع امتداداً لهويتي، والرجل الذي يفترشه بالأغراض التي يبيعها أخي وحبيبي، واللافتة السوداء المعلّقة على جداره تنعى واحداً من أطرافي، أصبح كلّ شيء في هذا البلد قضيتي، مشكلة ماء البصرة تجعل ماء بيتي مالحاً، والسجناء الذين هربوا من سجن الناصريّة هدّموا غرفة نومي، وتحرير الموصل تنهيدة لأطفالي إذ ينامون، والأنبار تزهر في أشجار حديقتي، وكردستان هي صورة وجهي في المرآة.

– أعرف أنّ كلامي هذا فيه من العاطفة الكثير، ولكن اعذروني.. حتى هذه العاطفة التي تغرورق لها العين هي شيء مما علمتني إياه التظاهرات. شكراً ساحة ثورة العشرين.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أسماء سالم بين واقعٍ مُر وأُناسٍ تعشق الفضيحة ..

  أثارني منشور لأحدهم لما فيه من تجاوز على ...