الرئيسية 10 مقالات 1 10 الساخر العظيم وظاهرة المحلل السياسي

الساخر العظيم وظاهرة المحلل السياسي

حميد سعيد

قرأت أخيراً رواية “الساخر العظيم” للروائي العراقي أمجد توفيق، وهي رواية كبيرة، حجماً وموضوعاً وتناولاً، بل هي مغامرة روائية حقاً، إذ تناول فيها الكاتب الغزوة الداعشية لمدينة الموصل، بكل ملابساتها وتداخلاتها وأسرارها، وفي وقت كل الذي وصفناه بالملابسات والتداخلات والأسرار، على حالها، رغم هزيمة داعش في الموصل، ولم تتضح بعد، إنْ لم أقل ازدادت غموضاً، وتحولت إلى سؤال ملتبس، مهما كانت الإجابة عنه حيادية، لا بد أن تحيل إلى مخطط يكشف ويؤكد إن ما حدث، كل ما حدث، كان يستهدف روح هذه المدينة العريقة المؤمنة القوية ويستهدف إرادة أبنائها، جميع أبنائها.

ولست بصدد الكتابة عن الرواية، بل ليس من اليسير الكتابة عنها في حدود المساحة المتاحة لي هنا، إذ تتحرك أحداثها على مساحات زمنية وجغرافية واسعة من خلال بنى سردية متعددة، استطاع الروائي بقدراته وتجربته، أن يوظفها ويفيد منها، لصالح عمله الروائي المتميز، وبلغة سهلة ومتوهجة قادرة على مد جسور التواصل مع المتلقي، في أكثر الحالات تعقيداً في ما يتناوله ويعبر عنه من قضايا وأفكار ومواقف.

بموضوعها، على أهميته، وما يحتمل من غنى في أطروحاته، بل تعددت فضاءاتها التاريخية والاجتماعية ومنحت القارئ وقفات كثيرة للتأمل والتفكير والحوار والنقد، بل لقد انتظم النص في سلسلة من مواقف نقد الواقع في العراق الجديد! حيث لا يطل صباح جديد إلا مقترناً بخطأ جديد يضاف إلى ما سبقه من أخطاء توالت منذ بداية الاحتلال الأمريكي- الإيراني في خريف العام 2003 أو بخطيئة جديدة تضاف إلى ما كان من خطايا.

إن الشخصية الرئيسة في رواية الساخر العظيم المدعو – سيف – إعلامي مثقف، ولأن الروائي أمجد توفيق هو الآخر إعلامي مثقف، فقد وردت إشارة ساخرة إلى خطأ أو خطيئة مما عرفنا في العراق الجديد، حيث شاعت ظاهرة المحلل السياسي والاستراتيجي، ومن نستمع إليهم يتحدثون إلى عباد الله بهذه الصفات، لا يمتون بأدنى صلة إليها وبالتالي إلى هذه المهمة، ومما جاء في الرواية: طبقة مهنة جديدة ظهرت في العراق بعد الاحتلال، وهي طبقة تضم خليطاً عجيباً من الناس الذين يطلقون على أنفسهم اسم محللين سياسيين، حيث الخجل والتهذيب واحترام  الكلمة عملات منقرضة فهم جاهزون للتحدث في كل شيء وعن أي شيء، وليس مهماً أن تتوفر قاعدة من معلومات، يكفيهم قراءة خبر عاجل على إحدى الشاشات ليبرمجوا أنفسهم حسب الطلب، وليس من الغريب أو قلة الذوق أن تطلب من أحدهم سبق أن تحدث دفاعاً عن فكرة ما في إحدى القنوات، مهاجمتها بقسوة عبر برنامج جديد في قناة أخرى.

حين كتبت هذا المقطع في دفتر ملاحظات يرافقني دائماً، كتبت معلقاً: حين يحل الخراب، يكون شاملاً، ولا يقتصر على  جزء أو بعض من الحالة العامة، وليتقدم أحدهم ليشير إلى كيان أو نشاط لم يشملهما الخراب في العراق الجديد !

وإذ كنت أحدث صديقا أكاديمياً معروفاً، عما قرأت وما خرجت به من انطباع، قال لي: ما الغرابة في ما قرأت وما هو الجديد فيه فحين يكون مالك القناة التلفزية جاهلاً، فماذا تتوقع أن يكون من يعمل بمعيته ؟ وحين يكون مالك الصحيفة، لم يكتب مقالة في حياته، فهل تتوقع أن يكون الكتّاب فيها من كبار المثقفين؟

ثم ذكر لي أسماء محللين سياسيين، قائلاً: إن عدتهم في مهنة التحليل السياسي، طول ألسنتهم، وعمل منظوماتهم الكلامية بمعزل عن منظوماتهم الذهنية، وهم في هذا يشبهون معظم الزعماء في العراق الجديد!  ومن يشابه زعيمه فما ظلم.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بغداد بلا ذوق !

جعفر الونان بغداد مدينة أشباح، مدينة بلا أناقة، بلا ...