الرئيسية » مقالات 1 » الجبل الجليدي يحيط بنا ( الخوف من القادم )

الجبل الجليدي يحيط بنا ( الخوف من القادم )

 

◾✍🏻 عبد الهادي الدراجي

أصاب العالم بعد أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمر صدمات كبيرة أذهلت المجتمعات وأصابتهم بالرعب والخوف وأهمها الكارثة الطبيعية تسونامي وكذا إعصار كاترينا المروع وايضاً ما يتعلق بالواقع الأقتصادي وهي الطفرة الرهيبة في أسعار النفط كل تلك المناسبات الصادمة أيقظت الناس من النوم والغفلة والسُكر ، وفي خضم تلكم الأحداث قدم “جاك أتالي “رؤية متبصرة وتفسيراً دراماتيكاً لتلكم الأحداث المروعة يتناسب مع ماقدمه فلم ” تايتانيك” حول تلكم الكوراث التي تنتجها الطبيعة والأنسان معاً يصور لنا أتالي أن تايتانيك هي( نحن) اي المجتمع وتلك المخاوف التي أفقنا عليها من الكوارث الطبيعية والصناعية هي الجبل الجليدي الذي ينتظرنا والذي لم نحسب له أي حساب خصوصاً مع وعود الحداثة التي لم تفي بها على أن تخلصنا من مخاوفنا المتكررة التي تحيط بنا من كل الجهات ذلك لأن الخوف ” يأتي في أفظع صورة عندما يكون متفرقاً ومنتشراً وغامضاً ومشتتا ومنقلباً وعائماً ، من دون عنوان واضح ومن دون سبب واضح وعندما يستحوذ علينا من دون سبب معقول ” على عبارة باومان . عندما تستحوذ علينا الجبال الجليدية وتحيط بنا في كل مكان نكون كما قال “اتالي” ( تايتانيك هي نحن ، أنها : مجتمعنا الغربي المعتز بثقافته ، والفخور بعظمته ، مجتمعنا الأعمى المنافق الذي لا يرحم فقراءه – مجتمع يتوقع فيه كل شيء إلا وسائل التوقع … إننا جميعاً نظن أنه يوجد جبل جليدي عائم ينتظرنا ، يتربص بنا في مكان ما في المستقبل الضبابي.
هذه المقدمة تدفعني الى التأمل في ما يحصل في عراق اليوم ، فإذا كان جاك إتالي يقدم رؤيته التحليلة حول مخاوف الغرب مما جرى ويجري من احداث على مستوى الأمن والطبيعة والأقتصاد والسياسة ومع وجود الفارق الشاسع والكبير من مخاوفهم (هُم ) ومخاوفنا ( نحن ) فهذا يعني أن مخاوفنا هي أكبر وأفظع وأعظم خصوصاً بعد التأمل الكبير والتغير الخطير الذي صاحب العملية السياسية بعد 2003. جبالٌ جليدية ذات صبغة طائفية وأخرى أثنية وعرقية وطائفية ومذهبية ، جبالٌ من الجليد التي لم نكن نتوقع أن نرتطم بها خصوصاً أننا لم نعد العدة الحقيقية لحالات الطوارئ القصوى الأمر الذي معه تكون الخسائر أكبر بكثير من الأنقاذالذي ننشده ونريده. نعم انها جبالٌ جليدية متنوعة وربما لا نهائية في بلد زعاماته أرستقراطية لا تعي مايدور حولها من كوارث أنسانية ، جبالٌ جليدية تفوق تصورنا اذا نظرنا اليها على أنها جبال مالية ، وبيئية ، وسياسية ، وأقتصادية ، جبالٌ تعصف بنا في كل حين تهدد أمن المجتمع وتهز أركانه ، فبالأمس القريب أستفاقت مناطقنا الغربية على جبلد جليدي كاد أن يُغرق جميع من في سفينة العراق لولا قيادة المرجعية الحكيمة في النجف الأشرف ودعوتها للتصدي الى ذلك الجبل الجليدي الذي اعترض سفينة العراق ومع كل هذا التصدي من ابناء العراق الغيارى وقتالهم الكبير ضد هذا التطرف القادم ألينا من بطون التراث العقدي القديم والأنتصار الكبير الذي حققه العراق على داعش التطرف والأنغلاق ، لكننا أستفقنا في ليلة واحدة وفي ساعة واحدة وفي لحظة واحدة على هشاشة الطوارئ السياسية التي لم تضع خططها الأمنية الكافية في دراسة هذا الخطر الذي نشأ وترعرع وتغذى بيننا وفي بيوتاتنا وفي شوارعنا ومحافظتنا وبرارينا وجبالنا وصحارينا ، كل ذلك وسفينتنا غافلة عن تلكم الجبال الجليدية التي كانت عائمة في بحر العراق تسرح وتمرح والتي أعاقت حركة العراق وأشغلته في حرب دموية أستمرت قرابة الخمس سنوات ، استشهد فيها من أستشهد ، وهُجر من هُجر ، وجاع من جاع ، وسبي من سبي ، وأختُطف من أختُطف وأثكلت الأمهات والأخوات والآباء والزوجات برجالها ، كانت حالة من الهلع والخوف تصيب العراقيين جميعاً مما حصل ويحصل ولازال يحصل ويزداد الأمر تعقيدا اكثر خصوصا مع حالة الحرمان التي يعاني منها المجتمع العراقي اليوم ، انه بؤس الأمراض والأوبئة ، بؤس الحياة الآمنه ، إنه الخوف من جبال جليدية صادمة. لقد شوهت الحروب والأقتتال كل شيء جميل في هذا البلد فكل شيء هنا يهدد الحياة الآمنة المستقرة وبطبيعة الحال ليس العراق لوحده في هذه المخاوف بل العالم كله ، لكن ما يهمني هو العراق كجزء من منظومة هذا العالم الذي يشارك مجتمعه محاذير ومخاوف المجتمعات الأخرى لما ستُنبأه قادم الأيام الينا كشعوب وأمم وحضارات ، وعلى عبارة باومان ” إن الحضارة واهنة ولا يفصل بينها وبين الجحيم سوى صدمة واحدة وقد عبر ستيفن جراهام عن ذلك بدقة حينما قال : إننا صرنا أكثر أعتماداً على الإنظمة المعقدة والبعيدة في الحفاظ على الحياة ، ومن ثم فإن الأضطرابات والمشكلات الصغيرة يمكن أن تضفي الى آثار مدمرة في الحياة البيئية والاقتصادية والاجتماعية “. لقد أنبئتنا أحداث اجتماعية كثيرة قد حصلت في العراق تطالب بحقها المسلوب عن حالة اللامسؤولية المفرطة التي طالت كثير من المسؤوليين السياسين الذين يتحملون مسؤولية مايقع ويقع على المواطن العراقي وآخرها حال البصرة تلك المدينة الأقتصادية الريعية الكبيرة والتي يقطن ساكنوها في حالة من الفقر المدقع أمام تضخم الخزين المالي لطبقة من السياسيين وأصحاب الأحزاب المتنفذة ، كلنا غير متفائل اليوم في عالم مليء بالحرمان والعوز ،والفقر ، والأمراض المتفشية والأوبئة ، والأقتصاد المدمر، والبيئة الملوثة ، والبنى التحتية الهزيلة ، والأمن الهش ، والأحتقان السياسي والأنقسام في الرؤى السياسية والأجتماعية وتفكيك عُرى المجتمع ، كل ذلك ونحن لم نحسب حساب لقادم الأيام وما ستؤول اليه تلكم الجبال الجليدية التي تكبر يوماً بعد يوم أمام سفينتا الصغيرة التي لم يعد لها ان تتحمل كل تلك الصدمات مما يعيق أبحارها مع بقية السفن المتعددة التي بجوارها في حركتها الأنسيابية وهدفها المعروف ، الّا نحن فسيفنتنا تبحر بلا خطة طوارئ لازالة جبال الجليد التي أمامها. عندها نكون مضطرين أن نستسلم لتلكم الجبال ومعها لا ينفع الندم ” ولات حين مناص”.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

*برهـم صالــح*

مصطفى كامل كان الرئيس برهم صالح في ملتقى سليمانية ...