الرئيسية » مقالات 1 » تفسيرات العنف الإثني الطائفي

تفسيرات العنف الإثني الطائفي

بقلم / الشيخ عبد الهادي الدراجي

أثناء عملية التجوال الفكري وقراءتي الأخيرة عن التعددية ونجاحها في بعض بلدان العالم وأحلامي الكبيرة التي تراودني دائماً عن امكانية نجاح تلك التجربة التعددية في العراق ، لفت انتباهي بعض البحوث المهمة التي درست أسباب فشل التعايش السلمي والمجتمعي في العالم ، وكل أسبابه تكاد تكون أما دينية أو سياسية وعلى طول الخط يتداخل هذان العاملان في نجاح وفشل ذلك التعايش وأحدهما يستغل الآخر ويتخادم معه لمصالح بشرية لا تتعلق لا بالدين ولا بالسياسة الحقة ( اذا وجد مصطلح يسمى سياسة حقة ). من هنا تُثار مسألة العنف الإثني الطائفي الذي أعطاه أهل الفكر اربعة تعريفات أو تفسيرات وكل من هذه التفسيرات لا تخلوا من عيوب اذا تم التركيز على التعايش وفق منظور الهوية والمواطنة دونما ضررٌ لا من العامل الديني والسياسي في تركيبة الأمة أو المجتمع وإن كان الديني والسياسي لن يبرحا عن مسرح الحياة الأجتماعية ، ما يهمني هنا هو أن ابرز التفسيرات للعنف الإثني الطائفي هي أربع بحسب المفكرين :

التفسير الأول / العنف الإثني الطائفي ( البدائي ) :

وهذا التفسير يرتكز بالأساس على الأحقاد البدائية أو القديمة على أنها سبب النزاع الراهن وإن تلكم الأحقاد القديمة واستمراريتها الى هذا الوقت إنما ترتكز على الفوراق العرقية والدينية والثقافية وهذه الأحقاد القديمة بتنوعاتها المختلفة بناءً على هذا الرأي إنما تنتج عندما تتخطى تلكم الأحقاد القديمة كل الحسابات العقلية فتنتهج أسلوباً أثنياً عرقياً طائفيا. ومعه يتشكل العنف الأثني الطائفي الحديث.

مناقشة هذا التفسير : هذا التفسير يجنح اليه الى حد كبير الدوائر الشعبية والصحفية وقليل من الباحثين من يتبنى فكرة الأحقاد القديمة لنشوء النزاعات الإثنية الطائفية الحديثة بل تلك النزاعات نابعة من أزمنة نحن نطلق عليها أزمنة الحداثة ولذا فإن الحداثة على مايذكره أهل البحث والفكر ” لم تؤدِ الى أختفاء الهوية الإثنية أو الدينية كما افترض ذلك مجموعة من الباحثين والمفكرين بعد الحرب العالمية الثانية بل يمكن بالأحرى أثبات أن الحداثة ولأسباب مختلفة كلياً يمكنها أن تفعل النزاع الإثني أو الديني “. عليه فإن ربط العنف الإثني الطائفي الحديث بالبدائية أو الأحقاد القديمة أمر غير دقيق لأن ماهو أثني / طائفي حالي له نزعة حداثية جديدة ظهرت بعد عصر التنوير والحداثة و لا تعني الأحقاد القديمة أنها السبب في ذلك بل أن هذا التفسير يقع ضمن الدوائر الصحفية والشعبية ولا علاقة له بالبحث أو الفكر .

التفسير الثاني / العنف الإثني الطائفي ( الذرائعي ) :
يستند هذا التفسير على أن الأحقاد القديمة أو البدائية ليست هي السبب في العنف الحديث وليست البدائية هي القضية الرئيسة في ذلك وإنما يعود سبب ذلك العنف / الأثني / الطائفي الى أستغلال الطبقة او النخبة السياسية لذلك العنف تسخيراً لمصالح سياسية وأقتصادية بغض النظر عن اعتقاد تلك الطبقة السياسية بالعنف او اعدم أعتقادها بل جل ما تفعله هو أستغلال تلك النزاعات العرقية الطائفية -التي تنتهي الى العنف – لصالحها وهذا تلاعب عبثي ذرائعي كما يراه بعض المفكرين الذين يفسرون العنف والإثنية الطائفية تفسيراً ذرائعيا استغلالياً.

مناقشة التفسير الثاني / يرى بعض المفكرين أن هذا التفسير الذرائعي لم يتمكن من حل هذه الأحجية الكبرى في نشوء العنف الإثني الطائفي ذلك لأنه ” قد يمكن بالفعل للنخبة كسب السلطة من خلال تعبئة الهوية الأثنية ، ومن دون أن تؤمن بها في الحقيقة. ولكن لماذا يجب على الجماهير أن تنقاد للزعماء وبخاصة في حالة معرفة أن كلفة المشاركة كبيرة وقد تستجلب السجن أو الضرر أو الموت.

التفسير الثالث / العنف الإثني الطائفي ( البنائي ) :

وهذا التفسير الثالث للبنائيين يُركز على أن الهويات المتشكلة كاليهودية والمسيحية والمسلمة هويات حديثة وليست قديمة ولا يعني ذلك عدم وجود تلكم الهويات في الأزمنة السابقة للحداثة ، لذا يرى بعض المفكرين أن تلكم الهويات قبل الحداثة كانت متجهة في العموم لأن تقف مع بعضها وجهاً لوجه وقد عملت تلك الهويات على نطاق صغير، وقليل من الناس النوادر والعاديين تفاعلوا مع هذا الحدث وهو وقوف تلك الهويات مع بعضها بما هو أبعد من البيئات المحلية وفي هذا المجتمع متعدد الهويات بناءً على التفسير البنائي عولجت كثير من النزاعات الأثنية الطائفية حين أندلاعها.

مناقشة التفسير الثالث ( البنائي ) :

هذا التفسير يجنح الى مرونة الهوية دينية كانت ام غير ذلك حيث بدلت الحداثة في معنى الهويات واستطاعت أن تجلب الجماهير الى أطار أكبر أبعد من المحلية في دائرة وعي المجتمعات وهذا الأخير الذي لعبته الحداثة وسع من دائرة الهويات والطوائف بل تمكن من مأسستها هكذا تنظر ليندا كولي حينما تركز ” فيما اصبح حجة كلاسيكية بنائية وكيف أمكن لتركيبة من البروتستانتية ومعارضة فرنسا ومنافع الأمبراطورية أن تذيب النزاعات التاريخية المريرة بين الأسكتلنديين والأنكليز وتؤدي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الى بناء الهوية البريطانية. وهكذا يمكن اذابة كثير من النزاعات التاريخية ومن خلال ذلك يتم البناء الهوياتي للأمم وفيهِ يعيش الجميع سواسية في الحقوق والواجبات والمواطنة.

التفسير الرابع / مأسسة النزاع الإثني الطائفي :

تنبثق الفكرة المركزية من هذا القسم حول وجود روابط يمكن لنا أن نحددها بين النزاع الإثني أو السلم كجهة وبين المؤسسات السياسية المختلفة من جهة أخرى ، يرى بعض المفكرين الذين يبحثون عن نجاح التعددية في مجتمعاتهم ما يلي ” من المهم معرفة ما أذا كان للمجتمعات المتعددة الإثنيات ديمقراطيات توافقية أم أغلبية ، حكومات فيدرالية أم وحدوية ، دوائر أنتخابية فردية أم متعددة ، تمثيل نسبي في مقابل نظام أنتخابي يفوز فيه من يحصل على العدد الأكبر من الأصوات”

مناقشة التفسير الرابع / هنا يُجادل بأن تلكم التعددية الإثنية الا تتطلب مؤسسات سياسية منها اشكال وقواعد تقاسم السلطة أو الدوائر الأنتخابية أو انظمة التصويت أو أنظمة الأحزاب من هنا يناقش أهل الفكر على أن كل تلك الأنظمة التي تم تعدادها ” تختلف عن تلك المناسبة للمجتمعات المتجانسة إثنياً أو التي لم يمكن تقسيمها إثنياً. ومن شأن التبني الخالي من النقد للأشكال المؤسساتية ، بغض النظر عن تميز المجتمع بالأنقسامات الأثنية أم لا ، أن يشكّل سبباً خطيراً للنزاع الأثني ، ومن شأن الخيار المؤسساتي المتناسب مع الخريطة الإثنية للمجتمع أن يحل النزاع ، أو يخفف منه.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

*برهـم صالــح*

مصطفى كامل كان الرئيس برهم صالح في ملتقى سليمانية ...