الرئيسية » مقابلات » عصائب اهل الحق {رؤية تحليلية}

عصائب اهل الحق {رؤية تحليلية}

بقلم / عبد الهادي الدراجي
أعلم جيداً وبوضوح أن ما سأكتبه سوف لن يرضي البعض ، أو لا أقل أنهم سيقولون أن ما سأكتبه كلام مدفوعٌ ثمنه تلك هي السمة البارزة في تكوينة المجتمع الذي نعيش معه اليوم حتى مع نخبه ومثقفيه حينما تريد تسليط الضوء على موضوع ما وخاصة فيما يتعلق بالشأن السياسي والأمني العراقي ويزداد الأمر صعوبة وتعقيداً عندما تريد الحديث عن حركة عسكرية أثبتت وجودها في ساحات الجهاد والميادين القتالية ، فطبيعي وطبيعي جداً أن يأتيك ويأتيها الأتهام عندما تريد أبراز وتحليل تلك الظاهرة أو الحركة التي أتسمت بطابع القتال والمقاومة وأن يُضفى عليك وعليها سيلٌ من الأتهامات الطائفية والفكرية الأنحيازية وأنها حركة ميليشاوية قامت على أساس العنف والفرقة الطائفية والمذهبية والحديث عنها أو تقييمها يقع في دائرة الأنتماء لها او مجاملتها، وهذا أمرٌ قد أعتدنا عليه سابقاً أيام الأحتلال الأمريكي ولاحقاً أثناء مقارعة داعش مشروع التطرف والأنغلاق المقيت الذي كاد أن يتسبب بكارثة كبرى في العراق ، وعلى كل حال لست ممن يدخلون سجالاً فكرياً ولا نقاشاً عقدياً حيال ما سوف أكتبه عن موضوع يحضى بأهتمام كبير في الوسط السياسي والجماهيري في العراق ، نعم أنه موضوع [ حركة عصائب أهل الحق ] بكافة تشعباتها وأمتداداتها الجهادية والفكرية والسياسية والأجتماعية وغيرها ، فهي حركة تحظى بأهتمام بالغ ليس في الوسط العراقي بل تعدى أمرها لتكون محل حديث طويل وتحليل عريض على المستوى الدولي سياسياً وأمنياً ، فهي بالنسبة الى الأمريكي ومن على شاكلته تُشكل خطراً مترامياً وأستراتيجياً على مصالح دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية بأعتبار أنها حركة قاومت ولا زالت تقاوم الوجود الأمريكي في المنطقة سواءٌ أكان ذلك الوجود وجوداً فعلياً متمثلاً بقواعدها العسكرية في العراق وغيره أو وجوداً دبلوماسياً وسياسياً ايضاً فالحركة ترى من وجهة نظرها وبأعتبار قربنا من بعض قادتها بأن أمريكا وتدخلاتها في العراق والمنطقة لا يدخل من باب أنها منظمة خيرية تسهر على رعاية حقوق المجتمعات بل أنها أي الولايات المتحدة مجموعة مصالح سياسية. أقتصادية تهدف الى سلب ثروات الشرق الأوسط لصالح مآربها الخاصة فأي مشروع تأتي به في منطقتنا يكون مشروعاً أستعمارياً حتى وإن كان من قبيل ” أستعمار الشركات الأقتصادية ” أو سمها العولمة الأستعمارية من خلال الشركات العابرة للقارات ، ومن هنا ترى أمريكا الى أن بعض حركات المقاومة التي قاومت الأحتلال الأمريكي في العراق تنتهج نهجاً رافضاً لوجودها بحسب طبيعة التفكير المقاوم لها والذي يرى أن تدخلاتها السياسية والأقتصادية وغيرها تدخل من باب الأستعمار والأحتلال الناعم حتى وإن لم تتواجد عسكرياً في المنطقة والعراق خاصة.
غرضي بعد هذه المقدمة الرشيقة وما دفعني للحديث عن حركة عصائب أهل الحق في هذه الأيام هو ماأستوقفني من العرض الجماهيري الواسع والكبير والذي حظي بأهتمام أعلامي وكذا دولي قد وصلت نتائجه الى من يرفضون تواجد هذه الحركة على المستوى السياسي والأمني والأجتماعي وغيره ومن المؤكد أنها أقلقت تلك الجوانب الرافضة لحركة عصائب أهل الحق على أن تمارس دوراً سياسياً وأجتماعياً ومقاوماتياً في العراق أمام ما نشاهده من هذا القلق الكبير على المستوى العربي والدولي من تلك الحركة ومسيرتها ، ومع كل تلك الضغوط والأرهاصات الداخلية والخارجية والمعارضة اللدودة من القوى الدولية وبعض المحلية ، يأتي خطاب الأمين العام لتلك الحركة  وأمام جمع غفير من مريدي ومحبي مشروع المقاومة ليسلط الضوء على أنجازات ومساهمات تلك الحركة منذُ دخول الأحتلال الى يومنا هذا رافضاً بذلك مثلث [ الأحتلال ـ داعش ـ التقسيم ] والذي أعتبرها في خطابه الأخير أجندة واحدة كادت أن تعصف بالعراق لولا تدخل فتوى المرجعية الدينية العليا وأبناء المقاومة والتي وقفت سداً منيعاً أمام تلك التحديات الخطيرة التي تعصف بالعراق سابقا ولاحقاً ، إن قراءة تحليلة في خطاب الشيخ قيس الخزعلي يعطينا مؤشراً واضحاً عن أستمرارية النهج الرافض لتواجد الأحتلال الأمريكي ومن على شاكلته في العراق والمنطقة ، خصوصا بعد التأمل في مطالبته بضرورة مراجعة وضع القوات العسكرية الأجنبية والتي جاءت بصفة مستشارين وبعنوان مساعدة العراق في تخليصه من داعش ، وهي أشارة واضحة على نهج العصائب الرافض لتواجد الأجنبي على أرض العراق ، بيد أن الأمين العام للحركة لم يكتفي  بهذا الأمر فحسب فبأعتبار أشارته المهمة والتي سرت في جميع خطابه ضل يؤكد وبصورة لافتة الى مثلث الشر في العراق والذي يراه صورة واحدة ومشروع واحد فبعد الأحتلال عرج على داعش مشروع أمريكا الثاني في المنطقة والعراق وقد قال ما نصه بعد بيان هزيمة الأحتلال الأمريكي في العراق بفعل ضربات المقاومة من { أن هزيمة المشروع الأمريكي المباشر في العراق وأخماد الفتنة الطائفية هو الذي دفع بواشنطن الي تبني مشروع داعش البغيض عندما أعترف الرئيس الأمريكي الحالي بذلك متهماً سلفه أوباما } ، ما يعني أن عصائب أهل الحق ترى من وجهة نظرها السياسية والأمنية أن أمريكا هي رأس الشر في العالم وهي المؤسس الاول لحركات التطرف الديني في المنطقة وبأيادي أسلامية لذلك يأتي خطاب الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق في سياق رفض التواجد الأمريكي وسياسته في المنطقة ، ليس هذا فحسب بل التأكيد المستمر بأن تلكم الحركة كان لها الثقل الأكبر بأحراج الأمريكي ووجوده داخل العراق من خلال ماقاله هو بنفسه ناقلاً لنا التصور الأمريكي عن الجماعات الشيعية وقوة ضرباتها عليهم الأمر الذي معه جعل الأحتلال يبحث عن مخرج من العراق فجاءت الاتفاقية الأمنية لتنقذ ماء وجهه والا فأنهم خارجون لا محالة بسبب ضربات المقاومة بحسب نص ماقاله سماحة الشيخ في خطابه ، لذا كان الصراع مع داعش وجهاً آخر من وجوه المقاومة للارادة الأمريكية ، وأن كنت ممن يعتقد بأن ليس أمريكا لوحدها من قامت بتأسيس داعش نعم قد يكون لها دور في تنميته لكن ليست هي الأساس في الصنع ، ذلك لأن وجود موروث ديني وأسلامي نشأ في بيئة أسلامية تُكفر الآخر وتعتدي عليه هو من ساهم في البناء الفكري والعقدي لداعش والحركات الأصولية الأسلامية من خلال احاديث موضوعة وتكفير وتأويل عقدي للقرآن والسنة هو الذي أرسى دعائم الأصولية والدوغمائية الأسلامية خصوصاً بعد تتبع نصوص الأسلام الأموي ومساهماته في تحريف الكلم عن مواضعه وتشويه صورة الأسلام الناصعة البياض وأرشاداته وتعاليمه السمحاء ، نحن هنا نتفق مع سماحة الشيخ بأن أمريكا ساهمت في البناء التطرفي من خلال صنع العدو الداعشي والقاعدة قبله ، لكن قد نختلف من حيث التأسيس للقاعدة وداعش فهما نشئا في بيئة أسلامية وموروث فقهي وعقدي مغلوط ، فكلٌ من أمريكا والأرهاب تبادلا نوعية الصراع في المنطقة فقد بدا انهما متفقان لكنهما بالنهاية قد تصارعا على أرض الأسلام والعرب وقد وقعت الشعوب العربية والأسلامية ضحية هذا الصراع من طرفين متزمتين أحدهما أسلامي قاعدي داعشي وآخر سياسي يستبطن ديناً بروتستانتياً شعبوياً كما يرمز لذلك محمد آركون في كتابه الأديان التوحيدية حيث يقول [ وقد اصبحنا بالتالي في مواجهة ثنائية مرعبة مابين سياجين فكريين أنغلاقيين ومتعصبين ومتضادين ، فمن جهة هناك جنود القاعدة وجحافل المتزمتين ومن جهة أخرى جنود بوش والتحالف الغربي المقدس حول أدارته وسياسته ]]كتاب نحو تاريخ مقارن للأديان ، محمد اركون ص210.
هذابالضبط مايدور في المنطقة العربية والأسلامية والغربية ، هو صراع الأرادات والمصالح السياسية والأقتصادية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وقوى التطرف والأرهاب التي كانت تمول عملياتها العسكرية من خلال قطاع اقتصادي ونفطي واسع في العراق وغيره ، من هنا يأتي مشروع مقاومة كلا الطرفين المتزمتين علي عاتق الذين يؤمنون بشرِ هذه القوى على المنطقة والعالم وهذا ما أقرأه في خطاب الامين العام لعصائب أهل الحق ، ومن هنا تولدت فكرة أنبثاق الحشد الشعبي المقاوم ومن خلال فتوى المرجعية العليا في النجف الأشرف في التصدي لهذا المشروع الفكري والسياسي والأقتصادي والذي كان يهدف في بناء دولته المزعومة دولة العراق والشام لتمتد الى أطراف كونية أخرى غير العراق ، لكن كل ذلك أضمحل وذهب مع مرور الوقت بفعل التصدي العراقي الكبير ومن كافة القطاعات العسكرية والأمنية والحشدية والجماهيرية في العراق الأمر الذي معه أضعف  قدرات داعش وأمكاناتها العسكرية واللوجستية في العراق والمنطقة وأبطال مشروع خطير وكبير كاد أن يعصف بالعراق ولتلك قصة طويلة ترويها دماء شهداء العراق أجمع ونياح الثكلى والأرامل من نساء العراق وأنين الجرحى ، فكل هؤلاء أجتمعوا لرسم خارطة الأنتصار العراقي الكبير.
وبالعودة لخطاب الشيخ قيس الخزعلي في مهرجان النصر والتحرير أراه قد مضى قُدما في بيان مثلث الشر والخطر المحدق بالعراق خصوصاً في أشارته المهمة حينما قال [ العراق نهض من جديد حينما وقف بوجه الذين يريدون تقسيم العراق ] في أشارة واضحة للمشروع البارزاني العائلي الذي كاد أن يكون الصفحة الأخطر في تاريخ العراق حينما حاول الأنفصاليون أجتزاء قطعة من قطع العراق الحبيب لكن تلك المحاولة لاقت صداً منيعا من العراق وأهله مجتمعين.
إن رمزية هذا الكلام في خطاب المقاومة يؤشر وبوضوح الحرص الأكبر لدى قادتها في التأكيد على وحدة العراق أرضا وشعباً ، وهذا ماترمز اليه كلماتهم في حرص كبير ونفس وطني عالي المسؤولية.

وآخيراً في قراءتي المتواضعة لخطاب الشيخ الخزعلي : هي الحرص الشديد والشديد العالي في المساهمة في بناء الدولة والتأكيد على أحقية الدستور والقانون وبسطهما في العراق وحصر السلاح بيد الدولة والقوى الأمنية من الجيش والشرطة العراقية وكافة القوى الرسمية العسكرية العراقية ، وتلك ممارسة فكرية وسياسية عالية المستوى في الحرص على تقوية الدولة وجهازها الدستوري والقانوني الأمر الذي معه يجعل الآخر المختلف مع العصائب وغيرها أن تتقبل هذا الطرح بل وتذعن له فمع خلو العراق من ساحة المواجهة مع داعش والتطرف فالكل متجه نحو تجذير الدولة والحرص على بناءها بادوات نخبوية وسياسية وفكرية وأجتماعية متعددة وأهمهما القضاء على الفساد وحيتانه ، والعمل بيد جمعية على رعاية وأحقية المواطن العراقي في أن ينعم بعيشٍ رغيد فهو قد ذاق الأمرين من التطرف والتكفير ومن الفساد المؤسساتي الذي ينخر في جسم الدولة العراقية ، فكلنا يجب أن يتجه في صوب بناء الأنسان العراقي بكافة المستويات ، ولا شك أن التغيير قادم والشباب الطموح سوف يكتسح الساحة نحو بناء الدولة والقانون والدستور والمشاركة الواسعة في الأنتخابات المقبلة.