الرئيسية » مقابلات » ثقافة “الصابونة”

ثقافة “الصابونة”

حمزة مصطفى
كلما توجهت الى مغسلة منزلي أجد عدة “صابونات” بعضها صغير مستهلك من كثرة الإستعمال ومكون في الغالب من نوعين مختلفين “الصابون المسمى رقي” ولا أعرف لماذا يسمى هكذا تسمية والصابون “العطور”, مع مجموعة من المناشف “الخاوليات” معلقة بغير عناية في أعلى الزاوية بالقرب من الحنفية. هذا المشهد يكاد يتكرر في معظم إن لم يكن في بيوت كل العراقيين. ليس هناك فرق في ثقافة الصابونة أو “التصوبن الإجتماعي” إذا جاز لي نحت هذا المصطلح بين الكرخ والرصافة في بغداد ولا بين الأعظمية والكاظمية ولا بين السنة والشيعة وباقي المكونات الإ في تفاصيل جزئية. طبعا ليس بغداد وحدها تحتكر هذه الثقافة المجتمعية الموروثة بل المحافظات كلها.
وبالرغم من أن الصابون بأنواعه المختلفة لم يعد هو وحده سيد المغاسل أو الحمامات بل برغم مزاحمة أنواع أخرى له لايزال هو الرقم واحد في شتى الإستخدامات المنزلية. هناك أنواع الشامبوات التي بدأ بعضها يحتل مكانة مميزة داخل الحمام. وبينما بدأ الشامبو يمثل إزاحة جيلية للصابون فإنه لايوجد حتى الآن ما ينازع “الليفة” في مكانتها حتى في ظل إنتشار الحمامات الجديدة هي الأخرى مثل الجاكوزي أو حمام البخار أو “الساونة” التي ربما تكون نجحت في إزاحة “الطشت” الذي لم يكن يضارعه في الأهمية سوى زميله “الإبريق”, لكن لم يضارعه من حيث الشهرة خصوصا بعد دخول الطشت عالم الغناء مع عايدة الشاعر وأغنية “الطشت قالي .. الطشت قالي .. ياحلوة قومي إستحمي”.
في الريف حيث لايزال للإبريق حضوره لاسيما في المناسبات الكبيرة مثل الأعراس والفواتح فقد إختفت “السلبجة” التي كان يؤتى بها للضيوف قبل تناول الطعام مصحوبة بالإبريق ويتم صب الماء على أيديهم. والأمر نفسه يتكرر حين ينتهون من تناول الطعام المكون في العادة من الثريد والتمن والقوزي أوالدجاج.
بالعودة الى الصابونة التي تتعدد أنواعها في المغاسل في الغالبية العظمى من البيوت وأحيانا حتى المطاعم والفنادق برغم وجود بدائل لها مثل الصوابين السائلة فإننا مازلنا أسرى ثقافة الصابونة ومشتقاتها التي تجسد في الغالب طريقة تعاملنا اليومي مع ما يتوفر في المنزل من أثاث أو مقتنيات أو حاجات قد يكون الكثير منها زائد أو فقد بريقه وأهميته والحاجة الى إستخدامه عبر الزمن. لو القينا نظرة على المخزن في البيت “قد لاتكون كل البيوت تحتوي على مخازن” لكن حتى لو لم يكن المخزن موجودا بسبب صغر البيت أو إزدحامه فإن هناك زاوية لأغراض ومقتنيات قديمة. هذه الأغراض القديمة دخلت سوق العرض والطلب عبر ما يسمى اليوم “عتيك للبيع” وله المتعاملون به ممن يدورون في الشوارع والأزقة مع لافتة موسيقية ثابتة “عتيك للبيع.. عتيك للبيع”. لابد أن أنوه أن بعض المخازن أو حتى البيتونات تحولت الى غرف أو حتى مكتبات بسبب التوسع السكاني. لكن ثقافة العتيق لاتزال تسود بل هي جزء لايتجزأ من بنيتنا المجتمعية. بعض “العتيك للبيع” مايسوى 5 الاف دينار لكنه يحتل موقعه في الدار كما لو كان لوحة لـ .. بيكاسو أو دافنشي.