الرئيسية » مقالات 1 » شهادة: متعايشة مع داعش

شهادة: متعايشة مع داعش

هشام الهاشمي
كان مطلب عشائر واحزاب المدن المحررة الموالين للحكومة، أن يتم التعامل بمهنية مع ” المتعايش مع داعش” والذين هم أسر وابناء والمتعايشين تحت سقف بيت كان فيه داعش مبايع ” منتمي تنظيميا” او مناصر، كحل لأزمات المجتمع المحرر هو حلٌ ارتآه وجهاء واعيان العشائر السنية وحتى الزعامات الدينية، وكانت حلول الحكومة تتأرجح بين معسكرات العزل وبين غض الطرف عن العقوبات الجماعية العشائرية ” جلاء عشائري، منع العودة، الديات، الثأر بهدم البيوت، الإخفاء القسري، الأغتيال العلني”. ولكنها حلول اخذت بالتضعضع لاحقاً، فأصبحت تسيء الى سمعة الحكومة العراقية وايضا اصبحت حديث المنظمات الحقوقية والإنسانية، مشكلة ” مصير المتعايش مع داعش” ان عديد من يقع عليه هذا الوصف قد يتجاوز المائة ألف، وان عديد من وقع عليه عقوبة الجلاء القسري منهم قد يزيد على ثلاثة ألالاف عائلة في نينوى وصلاح الدين والانبار وحزام بغداد وديالى، وأن عديد من تعرض لعمليات ثأر أنتقامية يزيد على آلف عائلة بعضها تعرض للقتل والاخر للخطف وهدمت بيوتهم.
‏هنالك العشرات من الأدلة على أن الظروف الأسرية هي التي صنعت بعض الدواعش، نعم الأسر السنية المعتدلة أسر معادية للتطرف، ولكن ظروف الأحتلال الداعشي والتعايش معه جعلت الانتماء والايمان به ممكنا ومقبولا.
‏وكان الأولى بالحكومة العراقية ان تجعل من اليوم الذي يلي النصر على داعش في المدن المحررة يوماً للعدالة الإنتقالية وليس يوما للعدالة الإنتقائية او الشفاعات السيئة فحتى”عناصر داعش” تم التعامل معهم بتحيز ” عشائري” من يدفع الرشوة او من ورائه عشيرة قوية او قريب لسياسي او حكومي، ومن لا مال له ولا قريب وبالتالي يطبق عليه اشد العقوبات القانونية ويبقى تحت ضغط قانون العشيرة والمناطقية..

تصف المعلمة نرمين الجبوري (معلمة ابتدائية ومن سكنة حي الزنجيلي في الموصل) حال احياء الساحل الأيمن من الموصل بالقول: “لم تعد اسوق المدينة القديمة في الموصل مثلما عرفناها قبل دخول داعش. كلّ شيءٍ اصبح مقيدا؛ أصبحت الأسواق لا يدخلها إلا الرجال واما النسوة فلا بد لهن من رفقة قرابة او محرم، الناس يعيشون حالة خوفٍ من كلّ شيء: الحسبة، الأمنية، جواسيس اشبال الخلافة، الشرطة الإسلامية، مناظر إقامة الحدود والتعزيرات؛ يخافون أن يتكلموا فيخطفهم عناصر الأمنية، يبحثون عن الأعذار والشفاعات حتى يؤذن لهم ان يغادروا الى كركوك او اربيل، وتصريح المغادرة لاسباب علاجية يكلف مبالغ كبيرة بالاضافة الى التوقيع على التنازل عن البيت او العقار في حال عدم العودة في الفترة المحددة . الكثيرون سافروا لأسبابٍ متعدّدةٍ وحلّ مكانهم الأجانب والغرباء. مئات البيوت تم مصادرتها من قبل محاكم داعش. الشوارع باتت غريبة . أشكال وثقافات ولهجاتٌ ولغاتٌ اجنبية نصادفها. نقاط الأعلام في تقاطع الشوارع وفي الساحات العامة يجمعون الاطفال من حولهم وغسيل ادمغة مستمر، واذاعة البيان التي لا تتوقف عن تكرار خطب البغدادي والعدناني ونشر ثقافة الكراهية والغلو في الشوارع لم نكن نسمع بها من قبل هذا. لا أحد يشعر بأمان اذا خرج من بيته، وصلاة الجماعة واجبة على جميع الذكور ويعزر من يتخلف عنها بدون عذر، المدارس والجامعات قد تكون فارغة تماما وديوان التعليم في داعش لا يهتم بمن يتخلف عنها، واطلاق اللحية واجب والتعزير لمن يتعمد الفطر في رمضان والجلد لمن يشرب السكائر، واصبحت الجامعة مقرا لتجاربهم الكيميائية وبعض الاقسام هي مراكز للقيادة والسيطرة واما المستشفيات ففيها الأفضلية لمن بايع داعش والدواء يكاد يكون قد نفذ.
الموصل المدينة المدنية فقدت أهلها وبيوتاتها العريقة واصبح تأثير الغرباء هو الفاعل تغيّرت وكنا نخشى ان يكون ذلك إلى الأبد، وتحوّلت إلى معتقل كبير وضيق في نفس الوقت، كسر الصليب في الكنيسة وحطمت الأجراس وهدمت التكايا والزواية الصوفية ونبشت القبور التي في المساجد ونسفت المراقد والقباب وحُرقت الآلاف من الكتب الإنسانية والعلمية والادبية والابداعية وقيد على الناس الحركات والسكنات، واصبح الاباء بسبب اطفالهم لا يتكلمون بصوت عال فداعش اشترت الاطفال بالهدايا، الفقر والبطالة ولا ادوية للامراض المُزمنة، نفّذت البضائع الرئيسية واكل الناس كل ما يزهد به الانسان، حتى المستقبح والمستقذر‪“‬.
تتحدث نغم الهيتي من سكان هيت، طالبة ماجستير في جامعة الأنبار، تقول: “لم نكن نرى هذا الشيء من قبل في هيت. كلّ يوم نداء عبر مكبرات الصوت في سيارات الحسبة او المسجد والاعلان عن تعليمات تخص الحجاب وغطاء الوجه والعباية العراقية وكلما خالفت ذلك يرسلون على والدي للتنكيل به، تركت الخروج وبدأت اقضي كل وقتي بالسهر في الليل واستخدم النت المجاني للبحث عن الاخبار في الفيسبوك، جيراني بيت من بيوت عشيرة البونمر حكم عليهم قاضي داعش وهو سوري الجنسية بالردة وصادر بيتهم ووهبه الى مجموعة من العوائل أسمع فيها اللهجة العراقية واللغة الفرنسية ولغاتٍ أخرى لا أفهمها، في الفيسبوك تعرفت على اكثر من مدون يكره داعش من أهالي الانبار واصبحت اساعد القوات الأمنية باعطاء المعلومات التفصيلية عبر المدون الى الاستخبارات العراقية، الصدمة أن اخي فقد توازنه بل عقله وألتحق بكتائب داعش كتيبة ابو عبدالله الانصاري، في أول عملية لهم على مدينة حديثة قتل، حزن ابي الشيخ الكبير عليه جدا، انا واخواتي لم نحزن عليه، في ثلاثة الشهور الاخير التي بايع فيها داعش اصبح حقيرا وقاسي وبذيء اللسان وكل يوم يتجادل مع أبي ويضرب اخواتي المعلمات لأجبارهن على الذهاب الى المدرسة، بعد تحرير هيت العشائر عن طريق المختار ابلغونا ان نغادر بيتنا لأن اخي كان مع داعش، ذهبنا للعيش في بغداد، واتصلت بالمدون الذي كنت اساعده بالمعلومات واخذني لضابط الاستخبارات ثم القاضي، واخذت ورقة التزكية الأمنية وسلامة الموقف الأمني انا واخواتي وابي ورجعنا الى هيت”.
تقول سهاد القيسي مهندسة تعمل في مصفى بيجي، من سكنت مدينة بيجي شمال صلاح الدين: “لم يكن اهالي مدنية بيجي يوماً بهذه الصدمة؛ فبجوار كل بيت هناك من يتكلم الروسية او اللهجات التترية او التركمانية، ومنذ نهاية عام 2014، هناك منطقة البوجواري اصبحت للمقاتلين الأجانب وخاصة الاوزبك والطاجيك والشيشان ومنطقة الصينية للمقاتلين العرب من جنسيات دول شمال افريقيا، وكنا في مدينة بيجي غرباء قياسا بعدد الأجانب، نعيش حياةً رعب وترهيب الأمنية خاصة الملثمين الذين يلبسون البدلات السوداء لم يأخذوا احدا من جيران ونسمع عن عودته حيا، اخذوا كل مدخراتنا مقابل وصل أمانة، المقاتل الروسي ليس لديه القدرة على التكيّف مع قلة الطعام وحرارة الصيف خصومات كثيرة وقعت بينهم، المقاتل المحلي كان الأسوء والأكثر فسادا وشدة ولديه ميول للانتقام والتمثيل بجثث الموتى، خلال التقدم قوات الحشد الشعبي، عصائب أهل الحق، على مصفى بيجي، دعمنا استخبارات الحشد بصفتها قوات موالية للحكومة، وفتحنا بيوتنا لاستقبالهم، ووضعنا رايات بيضاء على بيوتنا، انا وزوجي وأسرتي لم نتعرض لأي اساءة من قبل الحشد وكنت قد اصبت بنوبة سكر بسبب الخوف واحداث وأهوال معارك بيجي، أما اليوم فقد عدنا الى حياتنا ونحاول ان نتعافى من كابوس الأحتلال، فقدت ثلاثة من ابناء اختي بالقصف الجوي، ولكن اليوم نستطيع التعايش من أجل السلام والمصالحة، فبيجي المدينة تحوّلت إلى متحف كبير لمشاهد الدمار فعلا مدينة منكوبة الاجانب لم يخرج منهم احدا منها حيا قاتلوا بعد عقدهم بيعة الموت ودمروا مدينتنا باسلحة لا يعرفها زوجي ضابط المدفعية بالجيش السابق ‪“‬.
بتول النعيمي من ناحية الرياض في الحويجة تتحدث عن بيعة أخيها الأكبر لداعش: “كل من لا يبايع وينظم الى هيكلية التنظيم عليه تحمل الترهيب والجوع أو الهروب خارج الحويجة الى كركوك او سليمانية. البيعة والعمل مع داعش اعطى اخي حمد نفوذاً ومالا واصبح لدينا كاز للمولدة وخبز حار وغاز للتنور والمطبخ واصبح باستطاعتنا ان نأكل اللحم في الأسبوع مرتين ووجهاء المنطقة تركوا مضيف الشيخ واصبحوا يتواجدون في بيت أخي، في ليلة من ليالي شتاء 2016 قصفت طائرات التحالف بيت اخي وقتل فيه هو 6 من قيادات داعش المحليين واصبح الناس يتحدثون عن مقتل قيادي اجنبي الجنسية، بعد مقتله بأسبوع انتهى كل شيء لا أحد يلقي لنا بالا، وزوجي قرر الهروب بعد ان رتب مع ضابط في الأمن الوطني بكركوك واليوم اصبحنا نعيش باستقرار وقررنا عدم العودة الى الحويجة فالاولاد بالمدرسة وزوجي يعمل سائق شاحنة ويتنقل بين السليمانية وديالى‪“‬.
ايمان السلماني ربة بيت من سكان القائم غرب الأنبار: “امنية داعش تصادر بيوت الصحوات ورجال الشرطة المحلية وحماية المنشآت والقضاة ومكاتب ودور الحزب الإسلامي وحزب الحل” حركة سياسية تتبع جمال الكربولي” ودور كبار موظفي الدولة وتشتري البيوت داخل السوق في الرمانة والكرابلة للاجانب من جنسيات أوربية بطرقٍ مباشرةٍ وغير مباشرة، وتسجّلها بأسماء أشخاصٍ محليين، ارتفعت أسعار البيوت كثيراً عام 2015 وخاصة بعد انطلاق معركة الرمادي . الأمنية في داعش حريصة على تسكين الاجانب داخل الأحياء السكنية المكتضة بالعوائل حتى يكونوا دروعا بشرية لهم أدّى هذا الأمر إلى وجود سكان جددٍ للمنطقة، وهروب السكان الأصليين‪،‬ لم يأت هذا الشيء عن عبث، وهو مخططٌ له مع المحليين من ابناء القائم ومنذ زمنٍ طويل‪“‬.