الرئيسية » سياسة » لماذا لايريدون العراق قويا؟

لماذا لايريدون العراق قويا؟

مناحي ال دهش
في مجال التأثير السياسي ودراسة نفوذ الدول، وتقلب العلاقات الدولية، عادة ما يطرح المخطط الاستراتيجي سؤالا مهما وحيويا. يتعلق بكيفية إضعاف الدول التي من الممكن أن يكون لها وزن في القرار الدولي؟ وعادة ما يكون الجواب حاضرا، يتلخص بكل بساطة، بتسليم مقاليد الحكم في هذا الدول إلى شخصيات ضعيفة مترددة مهزومة من الداخل، تقوم بدورها كالدمى، تتحرك وفقا لمصالح من يشغلها.
وبدراسة ما قد أسميها “الحالة العراقية” منذ حرب الخليج الأولى وحتى يومنا هذا، تم العمل بطريقة ممنهجة وسيناريوهات متقدمة لإضعاف العراق، وجعله يتخبط في بحر متلاطم من الأزمات الخارجية والداخلية. ليصبح العراق الذي ينتج ما يقارب خمسة الالاف برميل من النفط يوميا، أي نصف انتاج السعودية، بدون كهرباء ولا ماء ولا خدمات أساسية. ويعيش صراعا سياسيا من الممكن أن يفضي إلى حرب إهلية.
إن مرحلة ما بعد 2003 مرحلة مهمة للدراسة والتحليل، حيث كان العراق على بداية الطريق لبناء نواة دولة ديمقراطية، تمتلك الكثير من الموارد، التي تمكنها من بناء نفسها وفرض وجودها كدولة مؤثرة في ساحة القرار السياسي الشرق الاوسطي. لكن ذلك وبواقع المشاهدة لم ينجح، وإذا كان سينجح في وقت من الأوقات تم العمل على إعاقة هذا النجاح، وتنحية الأشخاص الأقوياء في العراق، بل وتوريطهم بأحداث كبرى مأساوية تهدد مستقبلهم السياسي. والهدف ليس الأشخاص بعينهم، بل الهدف الأهم هو أن يبقى العراق ضعيفا.
إن تجربة الحكومة العراقية المنتهية ولايتها برئاسة حيدر العبادي، وطريقة قدومه، بعد ولاية نوري المالكي، تثبت من تقدم به المقال من شرح للسردية العراقية. والكل يعرف كيف تم التخطيط، لتحميل المالكي مسؤولية أحداث ما كانت يمكن أن تحدث الا بتخطيط مدروس وعميق قامت به أجهزة استخبارات أجنبية متطورة. ليأتي شخص فيما بعد أقل ما يمكن وصفه بالضعيف والمتردد ولا يمتلك السيادة على القرار العراقي. وفيما يخص هزيمة تنظيم “داعش” الإرهابي على أنه أهم نجاح تتفاخر به حكومة العبادي، فهو ليس من فعل العبادي ولا حكومته ولا أجهزته الأمنية المفككة. بل يرجع الفضل في ذلك، إلى الإرادة الوطنية العراقية التي ترجمها واقعا الحشد الشعبي، بفتوى من المرجعية الرشيدة في النجف، وبمساعدة من القوة العسكرية لفيلق القدس الإيراني، والقوى العسكرية من المكونات السنية والكردية، والتحالف الدولي لمحاربة داعش. وكل ذلك تم تحت أعين قادة القرار العالمي.
وأعتقد بكل ما أملك من خبرة ومعلومات، أن هناك حالة من الاتفاق الضمني بين القوى العربية والإقليمية والعالمية، على إبقاء العراق في حالة الضعف والشلل التام. والدليل الصارخ على ذلك تمسك معظم القوى العربية والعالمية، برجوع حيدر العبادي رئيسا للوزراء لولاية ثانية. وهذا مفهوم بالنسبة لي ولغيري من الباحثين في العلاقات الدولية. لكن الأمر الذي لم أستطع فهمه وتقيمه والتأكد من صحته، هو الترويج المكثف لشخصية وزير النفط السابق عادل عبد المهدي، لمنصب رئيس الوزراء، بدعم من المرجعية الدينية الرشيدة. فهل غاب عن مرجعية النجف تداعيات تسلم الضعفاء لأمر العراق وما سينتج عنه من أزمات مصيرية تؤخر العراق عن النهوض. فكيف لشخص بضعف عادل عبد المهدي أن يدير بلدا، ينتفض أهله في البصرة وفي كل مكان على الظلم في توزيع الموارد، وغياب الخدمات الأساسية، وتغول العصابات الخارجة عن القانون على قوت المواطن العراقي، ناهيك عن فشل إدارة ملف التنظيمات الإرهابية، وعجز واضح في التعامل مع الأحداث السياسية في الإقليم الساخن، وتوتر يهدد مستقبل تركيا وعلاقاتها مع الجوار.؟ وهذا الإرث الثقيل جاء أيضا بفعل شخص ضعيف فشل بشكل واضح في إدارة الدولة العراقية.
فضلا عن احتمالية واردة الحدوث لقيام حرب إيرانية أمريكية، سيكون العراق جزء فعالا من مسرح عملياتها. ولا يمكن أن نستبعد هذه الحرب من الاحتمالات، لا سيما وأن تاريخ الحزب الجمهوري الأمريكي مرتبط بالحروب، ولا نستطيع أيضا أن نتناسى أن هناك بوادر أزمة مالية عالمية، ولا يمكن تجاوزها إلا بحرب، مثل الحرب الإيرانية الامريكية، لتنشيط الانفاق الدفاعي والتسليح. لذلك ولهذا السبب تحديدا على العراق أن تستعد لهذه الاحتمالية بقيادات وطنية عراقية قوية. ولا أتوقع أن العبادي وعبد المهدي من بينهم.
حيث تعلم المرجعية يقينا أن عادل عبد المهدي، انسحب من العمل العام هاربا، من ضغوط فرضها عليها سياسيين عراقيين، منهم عمار الحكيم، ليقدم استقالته من وزارة النفط، ويهرب من مواجهة قضايا إدارية، يمكن لأي وزير قوي التعامل معها، ولكن عبد المهدي فضل عدم المواجهة، فكيف له أن يواجه الملفات التي ذكرناها ؟
لا أظن أن المرجعية الدينية ستغيب عنها هذه المعطيات فيما يتعلق في دعم رئيس الوزراء المقبل، بل نتوقع من المرجعية الدينية الرشيدة أن تفعل دورها في البحث عن شخصية عراقية قوية قادرة على إدارة البلد في المرحلة القادمة، وتصلح ما يمكن إصلاحه بفعل الضعف السابق الذي لحق بالعراق. ولن يتم ذلك من خلال استبدال شخص ضعيف بشخص آخر أضعف منه.
وثمة من يرى أنه لا يمكن القبول بفرضية عادل عبد المهدي كرجل المرجعية، كما قال السيد مقتدى الصدر إلا ضمن فكرة خطيرة، وهي أن المرجعية والصدر وبعض القوى الإقليمية ومنها إيران، تريد إعادة تمثيل تجربة العبادي الضعيف، من خلال عبد المهدي الأضعف، لكي تتمكن هذه الأطراف من التحكم بالقرار العراقي وفقا لمصالحها، متناسيين المصلحة العراقية العامة. ولا أتوقع أن المرجعية الرشيدة تفكر بهذه الطريقة.
وإذا ارادات المرجعية أن تلعب دورا سياسيا لصالح العراق، عليها أن تأتي بشخص قوي، تدعمه كل الأطراف العراقية، وتتراجع – إن كانت تدعم عادل عبد المهدي- عن خيار عبد المهدي أو أي شخصية ضعيفة، لأن ذلك سيعود عليها حتما بأثر كارثي، لأنها بدعم الضعفاء، ستقدم العراق هدية على طبق من ذهب لكل الأطراف التي تستميت في الإبقاء على ضعف العراق.
المطلوب من المرجعية الدينية أن تفكر عندما تطرح أي شخصية لمنصب رئيس الوزراء، بمكونات المجتمع العراقي من السُنة والكرد، وهل يقبل هؤلاء تكرار حالة التخبط والضعف التي صاحبت فترة العبادي.؟
بالمحصلة، نقول إن إعادة أشخاص ضعفاء للقيادة في العراق، سيفتح الباب على مصراعيه لتحديات أمنية كبيرة، وعودة التنظيمات الإرهابية على أقل تقدير، والعصابات الخارجة عن القانون، ونهب مقدرات الدولة، وتغرق العراق من جديد في دوامة الدم، وهذا ما لا نريده. هذه التحديات على المستوى المحلي فقط. أضف إلى تلك الخلطة ملفات سياسية دولية حساسة ودقيقة. فأين سيكون العراق خلال الفترة القادمة لو تجاهلنا هذه المخاطر؟