الرئيسية » مقالات 1 » بغداد ومعايير تقرير ميرسر

بغداد ومعايير تقرير ميرسر

بقلم / صلاح عبد الرزاق

كل عام يتصدر أخبار بعض وسائل الإعلام خبر عن تقرير ميرسر ، وأن بغداد أسوء مدينة في العالم؟! وغالبية الناس لا يعرفون هذا التقرير ، ولا المعايير التي يستخدمها ، ولا درجة تصنيف الكثير من مدن العالم الشهيرة، فيتصور أن بغداد هي الأسوء في كل شيء . بالطبع هناك دوافع سياسية لتضليل المواطنين .

ما هي معايير ميرسر؟
تصدر مؤسسة ميرسر Mercer تقريراً سنوياً عن جودة العيش في مدن العالم. وهي مؤسسة عالمية في مجال استشارات الموارد البشرية تملكها شركات مارش وماكلينان Marsh & McLennan وتباع أسهمها في بورصة نيويورك وشيكاغو، ولديها عشرين ألف موظف موزعين في أربعين بلداً.

تعتمد المؤسسة (39) عاملاً تتوزع على عشرة أبواب:
1- البيئة السياسية والاجتماعية (الاستقرار السياسي، الجريمة، تطبيق القانون …)
2- البيئة الاقتصادية (ضوابط تصريف العملات ، الخدمات المصرفية …)
3- البيئة الاجتماعية-الثقافية (الرقابة ، محددات الحرية الشخصية ….)
4- الصحة والبيئة (الخدمات والتجهيزات الطبية، الأمراض المعدية، المجاري، معالجة النفايات، تلوث الهواء … )
5- المدارس والتعليم (معيار وتوفر المدارس الدولية، ….)
6- الخدمات العامة والنقل (الكهرباء، الماء، النقل العام، الازدحام المروري، ….)
7- الاستجمام (المطاعم، المسارح، السينمات، الرياضة وأوقات الفراغ ….)
8- السلع الاستهلاكية (توفر الطعام / مفردات الاستهلاك اليومي، السيارات …)
9- الإسكان (السكن، استعمال الأجهزة المنزلية، خدمات الصيانة، …)
10- البيئة الطبيعية (المناخ، معدل الكوارث الطبيعية … )

هذه المعايير تجتمع كلها لتحديد موقع هذه المدينة أو تلك. والتمعن فيها يوضح طبيعة العوامل المؤثرة في تصنيف المدن. فالصورة الأولية التي تنطبع في ذهن المواطن أن بغداد وصلت إلى السلم الأسفل بسبب انعدام النظافة أو انقطاع الكهرباء لكن ذلك ليس صحيحاً.
إن كل واحد من هذه العوامل يؤثر في ترتيب المدينة. وبالتالي قد يخفض ترتيب المدينة رغم كونه غير منظور او مصنف ضمن النظافة والجمال والاعمار والشوارع والعمارات.

انظر إلى بعض مدن الشرق الأوسط وخاصة الخليجية المعروفة بنظافتها وإعمارها وتنظيمها، لكنها جاءت في مرتبة متأخرة أيضاً. ففي تقرير ميرسر لسنة 2019 جاء ترتيبها كالتالي :
– دبي 74
– أبو ظبي 78
– الدوحة 110 (قطر)
– الكويت 126
– المنامة 136 (البحرين )
– الرياض 164
– جدة 168

فمدينة دبي التي توصف بأنها لؤلؤة الخليج تأخرت عن سنغافورة وهونك كونك وبراغ وغيرها ناهيك عن المدن الأوربية والامريكية والكندية والاسترالية. ولا يعاب على دبي نظافة شوارعها ولا تنظيمها ولا حركة النقل ولا المطار ولا وسائل الراحة والاستجمام ولا المولات ولا البنوك ولا التعليم ولا الخدمات الصحية والهواتف والحوكمة الألكترونية لكن ربما ارتفاع أسعار السكن فيها جعلها تهبط إلى هذه المرتبة ، وربما عوامل أخرى ليس بينها العمارات والنظافة والمجاري كما يتصور بعضنا ذلك أنها السبب في نزول ترتيب بغداد.

كما جاءت عواصم عربية أخرى بترتيب متأخر مثل :
– تونس 114
– الرباط 117
– عمان 120
– القاهرة 177
– بيروت 184
– الجزائر 185

وجاءت مدينة أخرى في أسفل الترتيب مثل:
– اسطنبول 130
– موسكو 167
– طهران 199
– كراجي 201

عاملي الأمن الفردي وجودة المعيشة
يذكر التقرير أن (الأمن الفردي Personal safety) يشير إلى مستوى الاستقرار الداخلي ومستويات الجريمة وتطبيق القانون والعلاقات الدولية الجيدة . فهل يتصور أحد أن الدوحة التي لديها أعلى معدل دخل في العالم تكون مرتبتها 101 ، أو أبو ظبي 74؟ وهل يتصور أحد أن الاستقرار السياسي لهذه الدول الخليجية يأتي بالمرتبة 67 بالنسبة لدولة قطر؟ إذن هناك عوامل أخرى تسبب نزول مرتبة هذه الدول.

بالنسبة للأمن الفردي لسكان مدن العالم الأخرى فالترتيب قد يفاجئ الجميع:
– شيكاغو ، هيوستن، سان فرانسسكو وهنولولو (أمريكا) بمرتبة (53)
– كاركاس (فنزويلا) بمرتبة (205 )
– جامايكا (192)
– لندن (38)
– غلاسكو (44)
– واشنطن (43)
– طوكيو (اليابان) (46)
– مدريد وروما (52)
– موسكو (199)

أما معيار جودة المعيشة Quality of Living فهو يمثل وجود بنى تحتية حديثة وخدمات طبية ذات مستوى عالي ووسائل الاستجمام والترفيه. وهذا ما تحظى به كثير من المدن لكن وجود أزمات اقتصادية وارتفاع مستوى البطالة وتقلص الثقة بالنظام السياسي تجعل مؤشراتها تتنازل. وتحتل العاصمة النمساوية فيينا المرتبة الأولى في جودة المعيشة والخامسة في الأمن الفردي. وتحتل لوكسمبورغ المرتبة الأولى في الأمن الفردي والمرتبة (19) في جودة المعيشة.

لماذا تفوز فيينا كل عام ؟
في 14 شباط 2012 قمت بزيارة فيينا والتقيت برئيس البرلمان هاري كوبيتز بحضور عمر الراوي عضو مجلس محافظة فيينا. وسألت السيد كوبيتز عن سبب احتلال المرتبة الأولى في جودة العيش مع أنها لا تختلف كثيراً عن المدن الأوربية في التنظيم والنظافة والنقل وغيرها، وأنا زرت لندن وباريس وروما وطوكيو وسيئول وواشنطن ومدريد وفرانكفورت، فأجاب: إن بلدية فيينا تمتلك ثلث المساكن ، وهي التي تقرر مستوى الأسعار. لذلك تجد فيينا من أرخص المدن الأوربية في أسعار الإيجارات. وضرب مثلاً بأن شقة عادية في فيينا تكلف (500) يورو شهرياً ، ولكن نفس الشقة تكلف (2000) يورو في لندن. إذن انخفاض أسعار الإيجارات وهو عامل أساسي في جودة المعيشة قد رفع فيينا إلى مستوى عالي، بالطبع أضافت إليها عوامل أخرى . اجتمعت كل هذه العوامل فأصبحت فيينا في المرتبة الأولى . وبالمقارنة تجد أن المدن الخليجية تحتل مراتب عليا في أسعار العقارات الأمر الذي جعلها تنزل إلى مستويات أدنى رغم ميزانيتها الضخمة ومعدلات النمو العالية وخطط الإعمار والبناء والرفاهية.

خاتمة
باتت الصورة واضحة بأن مجموع تلك العوامل العشرة هي التي جعلت تصنيف بغداد بالمرتبة الأخيرة. فلا نقول أن العاصمة العراقية بلا مشاكل ، ولكن ليس بالدرجة التي يتصورها البعض، لأن بعض العوامل خارجة عن إرادة الحكومة الاتحادية حالياً، وتعتمد على سياسة الدولة واستقرار النظام السياسي والاقتصادي ومستوى الاستثمار ومعدل البطالة والمستوى الصحي وجودة التعليم والسكن ، وانخفاض معدلات الجريمة والحوادث الارهابية وغيرها من العوامل المذكرة آنفاً.
ومن حقنا أن نسأل كيف صارت دمشق وصنعاء والخرطوم ونواكشوط ودار السلام تسبق بغداد في جودة المعيشة؟ صنعاء التي تعيش المجاعة وتدهور الخدمات الصحية والتربية والقصف اليومي والوضع الأمني ومع كل هذه الكوارث سبقت بغداد؟