الرئيسية » مقالات 1 » المرجعية تناشد والسلطة تماطل.. هل فات الآوان؟
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2018-01-25 17:12:02Z | | Q˜

المرجعية تناشد والسلطة تماطل.. هل فات الآوان؟

 

* فرهاد علاء الدين

19-11-2019
خاطبت المرجعية العليا في النجف الأشرف يوم الجمعة 15 تشرين الثاني، الأحزاب السياسية والحكومة بشكل مباشر وحملتها المسؤولية بما لا يحمل الشك معلنة عدم ثقتها بنوايا السلطات الحاكمة حول الإصلاح بقولها “واذا كان من بيدهم السلطة يظنون أنّ بإمكانهم التهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي بالتسويف والمماطلة فإنهم واهمون”. رسالة تحمل في طياتها تحذيراً مباشراً حيث أن الأساليب الماضية لن تكون مجدية والتهرب من إجراء إصلاحات حقيقية ليست مقبولة.

رحبت معظم القوى السياسية وخصوصاً الشيعية منها برسالة المرجعية وعبرت عن دعمها لمضمونها، لكن مثل هذا الترحيب ليس جديداً. أصدر حزب الدعوة بياناً يدعم فيه خطبة المرجعية و”اعتباره خارطة طريق للإصلاح وتغيير الواقع المتشظي” فيما ذهب تيار الحكمة إلى ” تأييد مطلق لجميع النقاط الواردة في بيان المرجعية” وأعلنت منظمة بدر “تأييدها التام لجميع النقاط الواردة”.

فيما رحبت بعض الشخصيات السياسية بشكل منفرد منهم النائب أحمد الجبوري الذي قال “خطبة المرجعية اليوم هي الأوضح والأكثر تقدماً واصطفافا مع الشعب”، و وزير الكهرباء – الذي ظل صامتاً طيلة فترة التظاهرات- قال “خطبة المرجعية هامة خصوصاً في الحفاظ على السلمية ومحاسبة المتورطين بالعنف”.

تكررت مناداة المرجعية بالإصلاح حتى “بح” صوتها، فعادت في خطبة 4 تشرين الأول لتذكرهم “أن المرجعية الدينية العليا طالما طالبت القوى والجهات التي تمسك بزمام السلطة أن تغير من منهجها في التعامل مع مشاكل البلد وأن تقوم بخطوات جادة في سبيل الاصلاح ومكافحة الفساد وتجاوز المحاصصة والمحسوبيات في إدارة الدولة وحذرت الذين يمانعون من الإصلاح ويراهنون على أن تخف المطالبات به ” كما دعت السلطات الثلاث إلى “اتخاذ خطوات عملية واضحة في طريق الإصلاح الحقيقي”، وهنا يجب التأكيد على كلمة “الحقيقي” حيث أنها تدرك جيداً أن الإصلاحات على مر السنوات الماضية لم تكن حقيقية وإنما ذر الرماد في العيون.

استجابة ام مماطلة؟

تحركت السلطات الثلاث بعد خطاب 4 تشرين الأول نحو إيجاد الحلول بطريقتها الكلاسيكية المعتادة من إصدار التصريحات وعقد اجتماعات مطولة لتخرج ببيان مشترك لا يتعدى صداه عتبة أبواب غرفة المجتمعين. فما بالك بإمكانية ترجمة التوصيات إلى خطوات عملية؟ لتبقى مجرد حبر على ورق. والغريب بأن هذه الاجتماعات تعقد تحت شعار استجابة إلى توجيهات المرجعية!

على سبيل المثال وليس الحصر، طلبت المرجعية في خطبة 4 من تشرين الأول بتشكيل “لجنة من عدد من الأسماء المعروفة في الاختصاصات ذات العلاقة من خارج قوى السلطة ممن يحظون بالمصداقية ويعرفون بالكفاءة العالية والنزاهة التامة، وتكلف هذه اللجنة بتحديد الخطوات المطلوب اتخاذها في سبيل مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاح المنشود” فسارعت الرئاسات الثلاث لتشكيل هذه اللجنة وكل على حدة، حيث شكل البرلمان لجنة من النواب وطلبت رئاسة الجمهورية ترشيح أسماء من المراقبين ليكونوا أعضاء في اللجنة المعنية و قامت رئاسة الوزراء أيضا بتشكيل لجنة مماثلة! لكن هذه اللجان طواها النسيان ولم يعرف مصيرها حتى اللحظة.

وكمثال آخر طالبت المرجعية بمحاسبة المتورطين بجرائم قتل المتظاهرين في خطبتها يوم 11 تشرين الأول “الحكومة والجهاز القضائي بإجراء تحقيق يتّسم بالمصداقية حول كل ما وقع في ساحات التظاهر”، وفعلا تم تشكيل لجنة تحقيق وزارية عليا من قبل مجلس الوزراء “استجابة لخطبة المرجعية الدينية العليا” في 12 تشرين الأول، إلا أن مراقبين اتهموا اللجنة التحقيقية ذاتها بالتقصير وعدم الارتقاء إلى مستوى الحدث، بدورها أكدت المرجعية تقصير اللجنة في خطابها يوم 25 تشرين الأول، حيث قالت “إن التقرير المنشور عن نتائج التحقيق فيما شهدته التظاهرات السابقة من إراقة للدماء وتخريب الممتلكات لما لم يحقق الهدف المترقّب منه ولم يكشف عن جميع الحقائق والوقائع بصورة واضحة للرأي العام”. وأضافت “من المهم الآن أن تتشكل هيئة قضائية مستقلة لمتابعة هذا الموضوع وإعلام الجمهور بنتائج تحقيقها بكل مهنية وشفافية”، ولم نسمع حتى اليوم بتشكيل هيئة قضائية مستقلة لتباشر في التحقيق، بل بالعكس توالى مسلسل القتل واستخدام العنف المفرط من دون الإفصاح عن حقيقة ما يجري في وضح النهار.

بدأت المرجعية تشكك بجدية القوى السياسية الحاكمة “في مدى قدرة أو جدّية القوى السياسيّة الحاكمة في تنفيذ مطالب المتظاهرين حتّى في حدودها الدنيا، وهو ليس في صالح بناء الثقة بتحقّق شيءٍ من الإصلاح الحقيقيّ على أيديهم” ووصلت حد النهاية في مناشداتها وخطاباتها الموجهة للأحزاب السياسية وأصبحت اليوم تتهمهم بالفساد بشكل علني. كما في خطابها يوم 15 تشرين الثاني: “إن القوة الحاكمة جعلت الوطن مغانم يتقاسمونها فيما بينهم وتغاضي بعضهم عن فساد البعض الآخر” ولم تستثني المرجعية أحداً، فلم تستعمل كلمة “البعض” عن تقاسم المغانم أو التورط بالفساد وإنما شملت “القوة الحاكمة” أي أحزاب السلطة دون استثناء.

ماذا قبل وبعد فوات الآوان؟

السؤال الأساسي هنا هل تعتقد المرجعية فعلا بأنه فات الآوان؟ هناك اختلاف في الرآي لدى المراقبين، فهناك من يرى بأن المرجعية كان لديها الأمل في بداية التظاهرات بأن تعمل القوى السياسية على إجراء الإصلاحات و “يغلب العقل والمنطق ومصلحة البلد عند من هم في مواقع المسؤولية وبيدهم القرار ليتداركوا الأمور قبل فوات الآوان”، في حين يرى فريق آخر بأن المرجعية باتت مقتنعة بفوات الآوان عندما أشارت إلى الوضع الحالي في خطبة 15 تشرين الثاني “إذ لن يكون ما بعد هذه الاحتجاجات كما كان قبلها في كل الأحوال”، في إشارة واضحة بأن ما قامت به السلطة من إهمال الإصلاح والمضي بالمحاصصة وسوء الإدارة وغياب العدالة الاجتماعية لا تضمن البقاء لهم، وهناك من يعتقد أن المرجعية أصبحت مرغمة على التحرك من خلال ماكنتها الشعبية بالنزول إلى ساحات الاعتصام من خلال المعتمدين لديها في جميع المدن وسوف تتصدى لتغيير الحكم الحالي والمجيء بمشهد سياسي جديد من خلال الرفض الشعبي لهذه الطبقة السياسية الحاكمة التي أوصلت البلد إلى حافة الانهيار.

هنا لابد من القول بأن الأحزاب السياسية الحاكمة والمسؤولين في الحكم، بما فيهم الرئاسات الثلاث والسلطة القضائية ورؤساء الأحزاب الحاكمة دخلوا فترة الوقت الضائع لتصحيح المسار وعليهم تبني ما طلبته المرجعية والشباب المتظاهر، من مكافحة الفساد وتقديم الخدمات وتوفير فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويتحقق ذلك ببذل قصارى الجهود من خلال خارطة طريق لحل الأزمة الحالية تتضمن “خطوات عملية بجداول زمنية محددة” لتنفيذ كل خطوة حسب ما يتم الاتفاق عليه.

وهنا يمكن القول بأن الطريق الأنجع والأسرع لرسم خارطة طريق موضع قبول واسع من شرائح وأوساط المجتمع هو جمع خرائط الطريق المقترحة من قبل جهات عديدة وتكليف فريق متخصص مكون من الخبراء والأكاديميين والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، لدراسة وتحليل المضامين المطروحة والتوافق على خارطة واحدة تلبي ما ذهبت إليه المرجعية العليا، والتي كانت انعكاس حقيقي لمطالب حركة الاحتجاجات الشعبية التي سادت مدن وسط وجنوب العراق على نحو غير مسبوق، وبالتالي انقاذ حاضر البلاد ومستقبلها.

* رئيس المجلس الاستشاري العراقي IAC