الرئيسية » مقالات 1 » الأزمة الحاليَّة والمستقبل القريب

الأزمة الحاليَّة والمستقبل القريب

 

لقمان عبد الرحيم الفيلي

وسط هذا الضجيج النخبوي والمجتمعي والسياسي أرى من المفيد أنْ نحاول تفكيك بعض من مفردات المعادلات اليومية وأنْ ننظر لها من عيون مختلفة. لدينا الآن عوامل متداخلة مهمة (مثل المتظاهرين، ومنظومة الحكومة والكتل السياسية الكبيرة، وأطراف أخرى مرتبطة بالأحداث) والتي من الممكن بتفاعلاتها أنْ تنتج مستقبلاً صحياً أو مضراً للجسد العراقي.

السعة الجغرافية للتظاهرات وطبيعتها عكست وجود فجوة واضحة بين الطبقة السياسية (وبالتالي الحكومة) من جهة والمتظاهرين من أبناء الشعب من جهة أخرى. هذه الفجوة تتسع الآن بشراسة وتنذر بأضعاف كبير لعقد المواطن مع الدولة (لا سمح الله) وبالنتيجة ستزداد الأصوات والدعوات لخلق عملية سياسية جديدة ضمن جمهورية عراقية جديدة (بعد جمهورية 2003). هنا نرى أننا قد ننتقل الى مرحلة جديدة، إذ إنَّ فقدان العقد ليس مرتبطاً بتذمر المواطن بمفرده أو في خلل قطاعي معين من الدولة، بل إنها تجاوزت مرحلة معالجتها بإصلاحات ترقيعيَّة أو آنيَّة وتحتاج الى مراجعة شاملة وشجاعة والتفكير خارج الصندوق.

للتظاهرات ديناميكية خاصة بها، من حيث السرعة والحيويَّة في تحرك المتظاهرين، بمعزل عن قيادات المجتمع الدينيَّة والسياسيَّة وتياراتها، إذ لديها الآن قدرة تحرك مستقلة بمعزل عن الأطراف التي كانت متحكمة بها سابقاً. وقد تكون صعبة حتى على المرجعيَّة الدينيَّة أو التيارات السياسيَّة في إدارة هذه الديناميكيَّة وبالتالي ستكون لأغلب الخطوات الإصلاحيَّة (مثل المبادرات الحكومية) ردود أفعال ومحاولة احتواء (إطفاء حرائق) أكثر من كونها مبادرة وقيادة الحراك والتحكم به (منع حرائق).

بعد العام 2003، ونتيجة اتباع منهج المحاصصة في إدارة الحكم، حصل تطابقٌ واضحٌ بين الحكومة والدولة وهذا التطابق رسخ بتولي السياسيين والحزبيين لأغلب مناصب الدولة وليس للحكومة فقط، وعليه فإنَّ أي تهديد لهدم كيان الحكومة يعني تزامن انهيار الدولة (لا سمح الله) معها.

الأزمة الحالية عكست وجود ندرة برجالات الدولة وخصوصاً لمن هم في مواقع مؤثرة على القرار السياسي والتي لن تزول ما لم تتجه القوى السياسية الى فسح بعض المجال للكوادر المجتمعية والمهنية، وخصوصاً الشباب، في أخذ حيز في صنع القرار، فالعراق بحاجة الى قيادات شبابية جديدة قادرة على تحمل أعباء مسؤولياتها.

العملية السياسية الحالية (جمهورية العراق ما بعد 2003) على مفترق طرق، فالاتجاه نحو الانتقال السلمي للسلطة في معالجة المشكلات كآليات مفضلة ستنتج عنها ثقافة دولة حضارية مدنية راعية لمواطنيها.

هذا التعاطي السلمي يعني إعطاء جرعات تقوية كبيرة للطبيعة المدنية لعراق ما بعد 2003 والذي سيؤدي الى دفن عنف الدولة والمواطن في مقبرة التاريخ السياسي العراقي.

استمرار الشلل في معالجة الأزمة يعني إعطاء فرصة للمتربصين (دول/ منظمات إرهابية/ ولاءات خارجية) في استغلالها لأغراض مدمرة، لذلك فإنَّ سرعة المعالجات سوف تقلل من تداعيات فرص الاستغلال السيئ وكذلك في إزالة خطر تدويل الأزمة.

لو استعرضنا تاريخ رؤساء وزراء العراق (بعد 2003) نجد في الكثير من الحالات عدم استثمار هؤلاء القادة لفرص تاريخيَّة أتيحت لهم بسبب ضعف المستشارين أو ضعف الاستماع للآخرين والذي أدى الى زيادة التعقيد. وبالتأكيد سينتج الزمن فرصاً أخرى، إلا أنَّ عدم وجود منهج للاستثمار من خلال خلل في الخصال القيادية سيؤدي الى استمرار السخط المجتمعي وتزايده مع قادة البلاد.

من الضروري التفكير الجدي في السعي لتمكين آباء مؤسسين جدد ممكن أنْ يرشدوا الواقع نحو مستقبل جديد قائم على أسسٍ جديدة. هنا تأتي أهمية اختيار عددٍ من الحكماء وإعطائهم دوراً تنفيذياً وتخطيطياً لدعم الدولة ومساعدتها في فترة انتقالها الى واقع جديد ولو بعد حين. من أولويات هؤلاء الحكماء تشخيص آليات حلول جديدة آنيَّة ومتوسطة بعد تحديد رؤى جديدة للدولة وحكومتها.

من الضروري ايضاً أنْ نشخّص ونعترف بوجود أزمة أخلاقيَّة حقيقيَّة في المجتمع، شواهد هذه الأزمة واضحة مع تفشي الفساد (او استعمال العنف) في أغلب قطاعات المجتمع. هذه الأزمة تعقدت بغموضية تحديد دور الدين في المجتمع مع سعي الكثير لتحويله الى بعض المشاعر والأعراف التراثية وليس ترجمته الى بوصلة أخلاقية للكل. هذه العقدة سوف لن تزول ما لم يتم تهذيب، قناعات أبناء المجتمع وممارسات على أسس أخلاقية صحيحة، هنا تأتي أهمية اعادة النظر في المناهج التربوية للأجيال الصاعدة.

لعلَّ من العوامل المشتركة لأغلب مفردات الازمة العراقية هي جمود او غموض الكثير من فقرات الدستور والتي لم تجدد او تحدث منذ إقرارها في نهاية العام 2005. هذا التلكؤ في تحديث هذه الوثيقة (المفترض ان تكون حية) أدى مع الزمن الى تحولها الى وثيقة لا تحتوي على روح بل غير ديناميكية في تعاطيها مع مفردات ويوميات السياسة العراقية المعقدة وبالتالي انتج خللاً بنيوياً في جسد الجمهورية الجديدة الفتية.

الأزمة الحالية عكست أهمية ومحورية دور المرجعية المباركة في النجف والاتكال عليها والذي سيؤدي الى احداث فراغ كبير لمرحلة ما بعد المرجع علي السيستاني (أطال الله في عمره). صحيح انَّ المنظومة النجفية تنتج في الأعم الأغلب مرجعاً على طراز زعيم الحوزة السيستاني، إلا أنَّ هذه النتيجة لا تأتي بسرعة بل ستحتاج الى فترة بناء وتأسيس ليست بسريعة. من جانب أخر نرى بوضوح قدرة المرجع السيستاني على ريادة الساحة العراقية، هذه الريادة سوف لن تكون بالحيوية نفسها في المراحل الأولى للمرجع الجديد، وعليه قد نواجه فراغاً رعوياً من الصعب ملؤه.

ستبقى المرجعية في النجف الأشرف مأوى المجتمع العراقي بكل أطيافه، وخصوصاً انها أصبحت بعد 2003 جزءاً أساسياً معنويا (وان لم يكن تشريعياً أو قانونياً) في منظومة الدولة، من جانب آخر استمرار النزيف المجتمعي وسوء حالته تعني أننا سنرى دعوات وصرخات مجتمعيَّة أوضح من السابق تطالب بدور أكبر للمرجعية في هذه المفاصل المهمة ولعلها ستصل الى طلب مجتمعي بانغماسها في يوميات هي حاولت أنْ تنأى بنفسها عنها. هذا الطلب وهذه الصيحات ستعتمد على مدى تعافي جسد الحكومة أو بعد فقدانها للبوصلة والإدارة.

أخيراً، كتب أحد الكتاب الشباب الواعدين وسط هذا الحراك الساخن هذا النص والذي أراه مفيداً في تذكير أنفسنا به «إنَّ الغليان البنيوي في قاع المجتمع بحاجة الى التعامل معه بإصلاحات حقيقيَّة تشمل الدستور والتشريعات والسلطتين التنفيذيَّة والقضائيَّة، وتحديثٍ يدخل بيوت الناس، ويغير واقعهم وعلاقاتهم بذواتهم والمحيط، وما عدا ذلك فالعراق على موعد مع ثورة اجتماعيَّة عمادها الشعور العميق بالألم».