الرئيسية » دولي - تقارير » أمية ..الخنساء الشهيدة

أمية ..الخنساء الشهيدة

بغداد /SNG عشر دقائق فقط مرت منذ بدأ إطلاق الرصاص بين عناصر من تنظيم داعش ومقاتلين من عشيرة الجبور في ناحية العلم التابعة لمحافظة صلاح الدين كانت خلالها أمية ناجي الجبارة تتبادل النكات مع أشقائها وهي تحمل سلاحها وتصوِّب رصاصه باتجاه مجموعة من أفراد داعش الذين هجموا على المكان.

مرت الدقائق التسع الأولى قبل أن يدرك قناص داعش الذي رصدها من بعيد أن تلك المرأة كانت تساند الرجال وتحثهم على مواصلة القتال فصوّب طلقة واحدة نحوها أسكتت ذلك الصوت الجهوري الذي طالما ألهم الرجال قرب السواتر لأيام مضت فسقطت أمية دون أن تنطق كلمة الوداع.

أحد عشر يوماً كانت أمية تساند عائلتها وأفراد عشيرتها في ساتر ترابي يحيط بناحية العلم (10 كيلو متر) شرق تكريت التي تقطنها عشيرة الجبور والذي اتخذته العشيرة مكاناً لصد هجمات داعش لكن قدرها لم يمهلها من يومها الثاني عشر سوى بضع دقائق قبل أن تصمت للأبد.

أميه الجبارة (40 عاماً) كانت تعمل مستشارة لمحافظ صلاح الدين أحمد الجبوري لشؤون المرأة ولكنها لم تنسحب من ساحة المعركة مثلما فعل الكثيرون من قادة الجيش والمسؤولين وفضلّت أن تحمل سلاحها وتقاتل مع أبناء عشيرتها الذين رفضوا دخول المسلحين إلى منطقتهم في ناحية العلم وتعرضوا بسبب ذلك إلى العديد من الهجمات من قبل تنظيم داعش الذي طالب سكان المدينة بـ”اربعين شخصاً من قادة الأجهزة الأمنية من أهالي المنطقة.

وفي يوم مقتلها كانت أمية تردد بعض أبيات الشعر أثناء حوارها مع شقيقها الأصغر مروان قام الأخير لاحقاً بنشرها على موقعه على الفيسبوك ثم نعاها بأبيات من من الشعر الشعبي الذي يحضى بانتشار واسع في العراق.

يقول مروان إن “شقيقته ليست الأولى التي تفقدها العائلة في قتالها مع المتشددين إذ سبق وقُتل عمها حينما هجم تنظيم القاعدة على مجلس محافظة تكريت في آذار (مارس) 2011 وسقط حينها 150 ضحية في المكان ذاته من بينهم عمها عبد الله جبارة الذي بقي يقاوم بمسدسه الشخصي قبل أن يلقى حتفه، كما قتل التنظيم ذاته والدها في منطقة الثرثار أثناء عودته من الحج ثم شقيقها الذي حاول الانتقام لوالده حيث لقي حتفه بعبوة ناسفة أثناء المواجهات التي دارت في المكان ذاته”.

مروان لم تغب عن ذهنه تلك الابتسامة الساحرة التي طالما علت وجه شقيقته حتى في أصعب المواقف والأزمات.

لم تمر لحظات على نشر مروان نعي فقدانه شقيقته حتى غيّر عشرات الصحفيين والنشطاء صورهم على موقع الفيسبوك ووضعوا مكانها صورة أميّة فيما تدفقت رسائل العزاء على عائلتها على الموقع ذاته.

الكثيرون ممن وضعوا صورة أميّة غردوا على مواقعهم ووصفوها بأنها أكثر شجاعة من سياسيي العراق والقادة الأمنيين الذين غادروا ساحة المعركة بعدما لبسوا ملابس مدنيّة، وبعضهم الآخر كتب أبياتاً شعرية فيها.

المستشارة والناشطة في مجال حقوق المرأة رفضت النزوح من ناحية العلم (10 كلم ) شرق تكريت التي لا يفصلها عن مركز المدينة التي تسكنها عشيرتها وأشقائها وأقاربها إلى مكان آخر وفضلت الانضمام إلى صفوفهم وهم يقاتلون التنظيم المسلّح المتشدد الذي سيطر على مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين بعد يوم واحد من سقوط الموصل.

الأهالي رفضوا طلب داعش بمنحهم الأمان مقابل تسليمهم للناحية وفضلّوا قتال التنظيم المتشدد والاحتفاظ بمدينتهم الصغيرة رغم سقوط العديد من المدن الأخرى منذ دخولهم إلى مركز المحافظة.

وتركت أمية الحاصلة على شهادة القانون من جامعة تكريت بعد وفاتها أربعة أطفال فتاتين وولدين هم ثمرة زواجها من أبن عمها أصغرهم فتاة لم تتجاوز ربيعها الثاني كانوا جميعاً داخل المنزل لحظة اندلاع المواجهات قبل أن يشاهدوا ركضات أقدام الآخرين وهم يحملون جثة والدتهم.

شقيقها مروان الذي يعمل مديراً مفوضاً لفضائية “سما صلاح الدين” بدا أكثر تأثراً بفقدان شقيقته وقال إن أمية عملت كناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرآة وقامت بتأسيس منظمة المرأة العراقية والعربية وساهمت بشكل فاعل في إقامة ورش العمل للنساء وسافرت إلى معظم الدول العربية لتمثيل المرأة في محافظة صلاح الدين وإطلاع المنظمات العالمية على حقيقة الواقع الذي تعيشه النساء في العراق في ظل المتغيرات التي شهدها العراق بعد عام 2003.

وهي أيضاً حصلت على جوائز عدة من وزارة شؤون المرأة والمنظمات العربية لدورها في مجال الدفاع عن حقوق المرأة العراقية وتحقيق الكثير من المكاسب للنساء في المحافظة منها استحصال راتب شهري لأكثرمن400 أرملة ومساعدة نساء أُخريات في مجالات كثيرة.

المرأة التي نشأت في بيئة عشائرية محافظة حظيت بشهرة واسعة بين العراقيين بعد وفاتها وتداول مواقع التواصل الاجتماعي لصورها وهي تحمل السلاح.