الرئيسية » دولي - تقارير » من أيـن يتـمـــول الإرهـابـيـون ؟

من أيـن يتـمـــول الإرهـابـيـون ؟

جوان زاراتي وتوماس ساندرسن *
ترجمة: أنيس الصفار
على بعد أقدام قليلة من معبر باب السلام الحدودي بالقرب من مدينة “كيلس” التركية هنالك مقهى رث المظهر. في هذا المقهى لا يجد الزبون على قائمة المأكولات أهم السلع المعروضة للبيع وأشدها إثارة للاهتمام، فهذا المكان هو آخر نقطة توقف للشبان الذين تلقوا تعبئة بالفكر المتطرف من أوروبا وشمال أفريقيا ويريدون التسلل إلى الأراضي السورية بعد الإفلات من رقابة حرس الحدود الأتراك “المتغافلين”.
هنا تجري عملية مبادلة جوازات السفر بالنقد، وعندما زار أحد زملائنا هذا المقهى في شهر كانون الثاني الماضي وجد أن جواز السفر البلجيكي يباع بسعر 8 آلاف دولار. وبوسع الشاري أن يغيّره ليصبح صالحاً للسفر إلى أوروبا أو الولايات المتحدة بدون تأشيرة. وفي موقف السيارات القريب يمكن التقاط صور فوتوغرافية جديدة لاستكمال عملية إعداد الجواز.
الواقعة الثانية. في الكويت، وعلى بعد نصف قارّة من المكان الأول، وقفت سيارة من نوع “شيفي كابرس” موديل 1982 ذات مساء من أماسي شهر آذار على بساط خارج خيمة بانتظار إعلانها للبيع بالمزايدة. وفي داخل الخيمة كان يطلب من المزايدين المرتقبين أن يساهموا بما يستطيعون من أجل تخفيف معاناة السوريين من خلال “عطائهم الإنساني”. ولكن لا أحد بين الحاضرين تقريباً كان يداخله أدنى شك في أن أمواله بمجرد دخولها سوريا سوف تصبح في حوزة المقاتلين، الذين ينتمي بعضهم إلى تنظيم القاعدة، وهم الذين يقررون إن كانت ستنفق في شراء أسبرين للأطفال أم أعتدة وذخائر للقتلة.
الواقعة الثالثة. في 10 حزيران الماضي تحركت عناصر “داعش” صوب الموصل ثاني أكبر مدن العراق فتخلت وحدات الجيش والشرطة عن مواقعها تاركة السجون والمصارف لمن أتى وأفرغها. وفي أكبر عملية سطو مسلح عرفتها الذاكرة الحديثة يقال أن عناصر “داعش” قد تمكنوا من سرقة مبلغ 400 مليون دولار نقداً. وإذ اتخمت “داعش” بكل هذا المال صارت تمتلك الموارد (وكذلك الأرض) التي تسمح لها بتنصيب نفسها قطباً مركزياً لحركة الإرهاب العالمي في قلب منطقة الشرق الأوسط. وفي هذه الحالة لا توجد هنالك قوات تابعة لوزارة المالية متخصصة بملاحقة اللصوص واستعادة الأموال المسروقة، ولا ضوابط مصرفية تصدرها جهة ما لمنع “داعش” من إنفاقها مثلما تريد.
هذه الوقائع الثلاث تعكس عمق المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وهي مشكلة بقيت تتنامى على مر السنين الماضية. فالحملة التي أدّت إلى تقطيع أوصال شبكات تمويل الإرهابيين وتفكيكها في أعقاب هجمات  11 ايلول  والتي حققت نجاحاً جعل أسامة بن لادن يندب وينوح ذات مرة مشتكياً من نقص الأموال الذي تعاني منه خزائن القاعدة، قد ذهبت وحل محلها واقع جديد. حيث أن الحركات الإرهابية التي تستلهم نهج القاعدة، والآخذة بالانتشار في كل مكان مثل الأورام السرطانية، تعلمت كيف تجني ملايين الدولارات محلياً، في حين أعادت الصراعات في سوريا والعراق بعث الحياة في شبكات التمويل القديمة التي كانت تعتمد عليها. بهذا غدا تمويل الإرهابيين اليوم ينشط على صعيدين معاً، صعيد محلي وآخر عالمي.ينظر المتبرعون والناس العاديون في منطقة الخليج والمتعاطفون الرحماء في شتى أنحاء الأرض إلى الأزمة الإنسانية التي تطحن سوريا فلا يملكون إلا أن يهبوا أموالهم للقوى التي تبدو أشدّ بأساً وبلاء في مواجهة نظام الرئيس بشار الأسد، وهذه بطبيعة الحال ستكون الجماعات المنضوية تحت لواء القاعدة أو تنظيم “داعش”. تلك الجماعات أدركت بدهائها أن عليها أن تقدم لهؤلاء الناس طرحاً يخفف من وقع صورتها الهمجية المتطرفة وذلك بالحديث عن خدمات وأعمال خيرية، مقتبسين نموذج الإدارة الذي تتبعه جماعات أخرى مثل حزب الله وحماس. بهذه الطريقة يصبح من الصعب التفريق بين المال الذي يذهب للتخفيف من معاناة اللاجئين السوريين وذلك الذي يذهب لدعم الإرهاب.
إلى جانب هذه الروافد المتدفقة من شتى أنحاء العالم تمكنت شبكات الإرهاب من تطوير أساليبها في استغلال الفرص المحلية لاعتصار المال. ففي شمال أفريقيا يقوم تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بجني الأموال من خلال تنفيذ عمليات اختطاف مقابل الفدية والتهريب محققاً بذلك مكاسب تدخل في نطاق عشرات ملايين الدولارات. هذه الموارد توظف في شراء مزيد من الأسلحة التي تستخدم لمهاجمة القوات المالية والفرنسية وكذلك لدعم وتدريب عناصر منظمة بوكو حرام. في الوقت نفسه تنغمس حركة بوكو حرام هي الأخرى في عمليات اختطاف الرهائن وجني الفوائد في مناطق غرب افريقيا.أما في أفغانستان وباكستان فتنشط شبكتا “طالبان وحقاني” في تنفيذ عمليات التهريب والاختطاف، وفي ذات الوقت تحصدان الأموال الطائلة من تجارة الهيرويين. وفي الصومال طوّرت حركة الشباب نظاماً لغسيل الأموال قائم على أساس التجارة وذلك من خلال تصدير الفحم الحجري واستيراد السكّر مع فرض ضرائب على المناطق الخاضعة لسيطرتها.في أيامه الأولى كان تنظيم “داعش” يكسب أموالاً كثيرة من ممارسة الجرائم العادية، مثل السطو على البنوك وسرقة النفط. أما اليوم، وبعد أن صار يسيطر على مساحات تتنامى رقعتها في سوريا والعراق، فقد أسس لنفسه اقتصاد حرب، وصار متشدّدو “داعش” يتحكّمون بالمصادر مثل مخازن الحبوب والمنشآت النفطية بالإضافة إلى ابتزازهم أصحاب الأعمال وجبايتهم الأتاوات منهم وبيع ما يقع في أيديهم من الممتلكات الحكومية والمعدات. تولد عن هذا النشاط نموذج هدفه تحقيق الربح وجني الأموال، وقد بدأ هذا النموذج ببعث الروح في حركات الإرهاب في مختلف أنحاء العالم.
كذلك يعدّ تنظيم “داعش” قيادياً في مجال استخدام التقنيات الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي لرفع الوعي والتواصل بشكل شخصي مع كل من لديه استعداد للتبرع. ترسل الدعوات للتبرع (أو ما يسمى بالاستثمارات) عبر تغريدات تويتر بينما تجنى الأموال وترسل عبر الإنترنت ثم يتم سحبها على شكل حقائب نقدية تمهيداً لإرسالها إلى حيث تدور رحى المعارك. وهناك صحيفة يصدرها التنظيم لإبقاء المتبرعين على إحاطة بالتطورات الجارية بشأن العمليات في حين يتم عبر تويتر بث البيانات المتعلقة بأعداد القتلى والصور الفوتوغرافية والمعلومات المتعلقة بالمناطق التي يسيطر عليها مقاتلوه.
إذا كنا نأمل حقاً في التضييق على هذه الأنهار المتدفقة بالأموال من جميع أنحاء العالم، وعلى التطلّعات الخطيرة لهذه الجماعات الإرهابية، فإننا بحاجة لإعادة العمل بالحملات التي تستهدف مصادر تمويل الإرهابيين.
هذا النوع من العمل يتطلب تفكيراً إبداعياً في كيفية شن العمليات على الشبكات الداعمة لـ “داعش” والجماعات المنتمية إلى القاعدة وإنشاء علاقات شراكة مع الجهات المحلية التي تعمل في مجال فرض القانون وكذلك مع سلطات الكمارك وإحكام الضوابط التي تعمل بموجبها. علينا أيضاً التشدد في فرض الضوابط على الحدود لقطع الطريق على السعاة الذين ينقلون الأموال بين الأطراف المعنية مع تصعيد جهود مكافحة الفساد لضمان سد الطريق بوجه الجماعات والحيلولة دون تمكنها من شراء ممرات آمنة بالمال. كل هذا يتطلب حشد الإرادة السياسية لعزل المتبرعين الكبار المتمركزين في مناطق مثل الكويت وقطر، ومنع السماسرة الأتراك من إقامة علاقات عمل مع هذه الجماعات وذات الشيء مع شركات الواجهة والمتواطئين والجهات الخيرية العاملة في المنطقة، وحتى البلدان التي لا تبدي رغبة في التعاون لقطع جريان الأموال إلى جماعات إرهابية معروفة. أخيراً، على منظمات الإعانة المشروعة في سوريا والمنطقة أن توجد اسلوباً بديلاً لإيصال الخدمات الاجتماعية إلى اللاجئين.ولكننا لن نتمكن من قطع تمويل جماعات مثل “داعش” ما لم نعمل على اقتلاعها أولاً من المناطق التي تسيطر عليها، وهذا الأمر يتطلب حملة أوسع ضد الارهاب. مثل هذه الحملة سبق القيام بها من قبل كما حدث في العراق من خلال عملية دفق القوات في 2007، وكذلك عندما طردت القوات الكينية حركة الشباب من ميناء كسمايو في الصومال في 2012. ولا يشترط بالضرورة أن تتولى القوات الأميركية البرية هذه العمليات بنفسها ولكن ينبغي على القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة أن تعزل “داعش” عن الموارد التي استحوذت عليها والاقتصاد الذي صارت تديره وتتصرّف به.
إلا أن الستراتيجية الواضحة للقيام بهذا غائبة لسوء الحظ وكذلك القيادة الأميركية وسط غليان الصراعات في سوريا والعراق. وفي هذا الخضم فقدنا أيضاً وسائل جمع المعلومات على الأرض والقدرات العسكرية التي كانت تؤمنها قوّة العمليات مثل “خلية التهديد المالي في العراق” التي تم تأسيسها في أواسط ما بعد العام 2000 لتعقّب وإفشال مصادر تمويل عمليات التمرد والإرهاب.
ربما كانت خياراتنا محدودة، وكذلك استعدادنا لبذل مزيد من الدماء والأموال في المعركة ضد الإرهاب، ولكن من دون التصدي لجميع أبعاد التهديد المالي فإننا قد نفقد تقدّمنا مع مرور السنين. وإذا ما استطاعت جماعات من أمثال “داعش” ملء خزائنها بالأموال وإدارة اقتصاداتها وإحكام قبضتها على مصادر الطاقة فإننا قد نواجه صنفاً جديداً من الإرهاب العالمي أكثر خطورة من شأنه تهديد الولايات المتحدة وحلفائها خلال السنين المقبلة.
* عن  صحيفة نيويورك تايمز