الرئيسية » دولي - تقارير » هل ينبغي أن نحاول إيقاف الزمن؟

هل ينبغي أن نحاول إيقاف الزمن؟

نحن ننفقه ونبدده ثم نتمنى لو كنا نمتلك المزيد منه
ترجمة – أنيس الصفار
حين يتعلق الأمر بالزمن يبدأ عقلك بالتلاعب بك واستغفالك.
كل منا عنده حكاية يحكيها كيف أن الزمن بالنسبة له قد توقف ذات يوم. قصتي التي أحكيها هي يوم صدمتني سيّارة وأنا أقود دراجتي الهوائية. كان سني وقتها 12 عاماً، وأتذكر كيف أني طرت في الهواء بعد الاصطدام وكنت أفكر كم هو غريب أن أبقى قادراً على التفكير بكل هذا الجلاء وأنا طائر في الهواء. ولكن من المؤكد تقريباً أن هذه الذكرى كانت خادعة، لأن الزمن لا يبطئ فعلاً في اللحظات الدراماتيكية المشحونة بالانفعال إلى حد أن يسمح لنا بتأمل التفاصيل. نحن نعرف هذه الحقيقة لأن “ديفد إيغلمان” وهو استاذ مشارك في علم الأعصاب، و”تشيس ستيتسون” وهو أحد طلبة الدراسات العليا المشتغلين معه، تمكنا ذات مرة من إقناع مجموعة من الأشخاص بأن يلقوا أنفسهم من فوق برج ارتفاعه 46 متراً.
هذا البرج يقع في المنطقة التي تعرف بـ “الجاذبية صفر” في مدينة الألعاب بمدينة دالاس في ولاية تكساس، ولكن تلك التجربة كانت أبعد ما تكون عن اللعب. فعنوان البحث الذي نشره الباحثان فيما بعد ينطوي على مدلول مهم، والعنوان هو: “هل يبطئ الزمن حقاً خلال الأحداث المخيفة؟” يقول إيغلمان أن تلك التجربة كانت أشد ما ارتكبه إثارة للرعب في حياته.

هل يبطئ الزمن؟
خلال عملية السقوط الحر تلك طلب من المتطوعين أن يقوموا بقراءة الأرقام التي يرونها على شاشة ساعة توقيت خاصة ثبتت على رسغ  كل واحد منهم. هذا الجهاز عبارة عن شاشة تنتظم بداخلها على شكل مربع 64 دايوداً باعثة للضوء مشكّلة في صفوف، وأي رقم يقرأه الجهاز يكون عبارة عن دايودات تشع باللون الأحمر على خلفية سوداء، بعد ذلك ينقلب نمط الإضاءة ويعود الرقم نفسه للظهور باللون الأسود على خلفية حمراء مضيئة ويستمر النمطان بالتناوب. تستطيع العين البشرية أن تلتقط هذا الاختلاف إذا ما وقع التناوب ببطء، ولكن عندما تتخطى السرعة عتبة محددة يأخذ النمطان بفرض نفسيهما كل على الآخر فتبدو الأضواء جميعاً وكأنها ضوء واحد.
ما افترضه الباحثون هو أن الزمن، إذا كان يبطئ حقاً حين يشتدّ الإرهاف الحسّي في حالات الخوف أو في الأوضاع التي تتعرض عندها الحياة للخطر، فإن المتطوعين سوف يتمكنون من رؤية الأرقام وتمييزها. في بداية التجربة أجري اختبار للتعرف على عتبة السرعة التي يبقى المتطوعون دونها قادرين على تمييز الأرقام اثناء تناوبها، بعد ذلك أجري اختبار في القفز وطلب من المتطوعين أن يحاولوا تقدير الفترة التي استغرقها سقوطهم. أجري الاختبار بوجود شبكة أمان ترتفع فوق مستوى الأرض بمقدار 15 متراً وقد استغرق السقوط 2,49 ثانية، ولكن جميع المشاركين أعطوا تقديرات تجاوزت هذا الرقم بمقدار الثلث كمعدل. من هذا بدا واضحاً وكأن الزمن يتباطأ فعلاً داخل رؤوسهم.
بعدئذ أعاد الباحثان تجربة القفز مرة ثانية، غير أن ساعات التوقيت أعيد ضبطها هذه المرة بأن رفعت سرعة التناوب بين الأضواء بمقدار الثلث. فإذا ما كان الزمن يبطئ بالفعل سيكون من المفروض إذن أن يتمكن المتطوعون من رؤية الأرقام أثناء سقوطهم.
خرج إيغلمان وستيتسون من هذا الاختبار بـ 19 نقطة (لأن إحدى المتطوعات كانت تغمض عينيها طيلة فترة سقوطها إلى اسفل فلا ترى شيئاً) ولكن هذا لم يسبب اختلافاً يذكر لأن أي من المشاركين الآخرين لم يستطع رؤية أي رقم أثناء سقوطه. لذا لم يقم دليل يدعم الفكرة القائلة بأن الزمن يمكن أن يجري بالسرعة البطيئة في مناسبات معينة.
وإذا شئت الحقيقة فإن الزمن لا يجري أصلا والأمر كلّه وهم في وهم.

خلاف بين الفيزيائيين
في هذا العصر، عصر الفيزياء الحديثة الفائقة، لم تعد سوى قلّة قليلة جداً من الناس تؤمن بمفهوم الزمن. ففي العام 2008 عقد “معهد الأسئلة التأسيسية”، وهو مؤسسة فكرية خاصة بالفيزيائيين، مسابقة لكتابة المقالة موضوعها “طبيعة الزمن” شارك فيها بعض أبرز الباحثين وطرحوا منظورهم في كيف علينا أن نفهم الزمن. يشير “كارلو روفيللي” من جامعة مرسيليا بأننا إذا أردنا جمع نظرية الكم إلى النظرية النسبية (وهما النظريتان اللتان تمثلان الغاية النهائية للفيزياء النظرية) فمن الواجب علينا أن نغفل مفهوم الزمن بالمرة.
كتبت “فوتيني ماركوبولو كالامارا” من معهد محيط أونتاريو للفيزياء النظرية تقول اننا إذا أردنا الاحتفاظ بالزمن وجب علينا التخلص من مفهوم أن الفراغ الفيزياوي واقع حقيقي (وهي تعتقد أن هذه مقايضة رابحة). أما الفائز في المسابقة، وهو “جوليان باربور” من جامعة أوكسفورد، فإنه يفصل في الأمر بضربة واحدة قاصمة. يقول جوليان: “على عكس الامبراطور الذي لم يكن يرتدي شيئاً فإن الزمن لا شيء يرتدي ثوباً.” ثم يخلص إلى نتيجة حاسمة تقول: “يجب إلغاء الزمن.”
لقد سبق أن علمنا من قبل بأن الكون لا شأن له بالزمن. ففي كتاب “أسس الرياضيات” يقول “إسحق نيوتن” أن الزمن الحقيقي المطلق، القابل للحساب رياضياً، يمضي في مجراه رصيناً بذاته وبفعل خصائصه الطبيعية من دون أن تكون لذلك أية علاقة بعوامل خارجية. جميع أنواع الحركة يمكن تعجيلها أو الحد منها باستثناء جريان الزمن المطلق فإنه غير خاضع للتغير.”
ولكن نيوتن كان مخطئاً كما أثبت آينشتاين في نظريته عن النسبية الخاصة. فنحن نعلم اليوم (وهو ما أثبتته التجارب) بأن جريان الزمن يتفاوت بالنسبة لأشخاص يتحركون في الكون بأساليب مختلفة. معنى هذا أن من الممكن لشخصين من الناس أن يتحركا حركة نسبية إلى بعضهما البعض بحيث يتمكنان من رؤية حدثين منفصلين ولكنهما لا يستطيعان الإتفاق على أيهما الذي وقع أولاً. بهذه الصورة تكون الضحية الأخرى التي سقطت هو مفهوم “الآن الشامل”، ومعنى هذا أن اللحظة الحاضرة لشخص معين هي ذاتها اللحظة الماضية لشخص آخر والأمر متوقف على كيفية تحرك هذين الشخصين بالنسبة لبعضهما البعض.

من الذي دخل أولا؟
لا تعترف فيزياء الكم، التي تعتبر أنجح نظرياتنا العلمية المثبتة، بأن الزمن شيء جدير حتى أن يدرج ضمن الظواهر القابلة للقياس، ونحن لدينا منذ الآن إشارات لها مدلولاتها (مثل حقيقة أن الفوتونات، وهي الجزيئات الكميّة للضوء، لا تمر بتجربة الزمن). إلا أن الباحثين في فيينا أثبتوا في العام الماضي أن جزيئات الكم يمكن أن تتواجد في لحظتين منفصلتين متزامنتين في آن واحد معاً.
دعنا نتخيل مثلاً أن آينشتاين ونيوتن لا تربطهما ببعضهما سوى قوانين نظرية الكم. في هذه الحالة، كما تقول النظرية، من الممكن لآينشتاين أن يدخل إلى غرفة فيرى رسالة تركها له نيوتن، فيقوم بمحو الرسالة ثم يكتب رده عليها. وما أن ينتهي آينشتاين من ذلك حتى يدخل نيوتن إلى الغرفة ليكتب رسالته الأولى. هذا هو ما يعرف بالتراكب، أي وقوع حدثين يبدوان منفصلين عن بعضهما في لحظة واحدة معاً.
في هذه الحالة كان آينشتاين في الغرفة قبل نيوتن، كما أن نيوتن كان في الغرفة قبل آينشتاين. ومن المستحيل الجزم هنا بمن الذي دخل الغرفة قبل صاحبه، وهو ما يحدث أحياناً في النسبية. السبب في هذا هو أن من شبه المؤكد أن الزمن ليس من مكونات الكون الأساسية.
ما من طريقة لدينا لجعل هذه المسألة مستساغة، لأن حسنا الفطري ينبئنا بأن ما قلناه لا يمكن أن يكون حقيقة واقعة، بيد أن الحس الفطري ليس مرشداً نافعاً في عالم الواقع. وإن يكن الفيزيائيون قد أخذوا منا الزمن فإنهم على الأقل يحاولون مساعدتنا على تفهم سبب اعتقادنا باستمرار وجوده.
في العام 1967 توصل فيزيائيان معروفان، هما “برايس دي ويت” و”جون ويلر”، إلى وسيلة مكنتهما من جمع نظرية الكم والنسبية معاً لتأسيس نظرية الواقع النهائية، ولن يفاجئك أن تعلم أن مخطط العمل هنا أيضاً تضمن إسقاط مفهوم الزمن. ولكن في شهر تشرين الأول من العام الماضي حققت مجموعة من الباحثين الإيطاليين فتحاً ملفتاً للنظر، حيث بينوا أن اولئك الذين يكونون داخل الكون الذي ابتدعه “برايس دي ويت” و”جون ويلر” يبقون قادرين على الإحساس بمرور الزمن. فقد أوجد هؤلاء الباحثون نظاماً فيزيائياً مؤلفاً من فوتونين ثم برهنوا على أن خصائص هذين الفوتونين بقيت ثابتة عندما نظر إليهما من خارج النظام، ولكنها تغيرت عندما أعيد النظر إليهما من داخله وهذا يعزى إلى ما يسمى “تأثير الراصد”، وذلك عندما تتأثر خصائص كمّ الجزيئات عند تعرضها للقياس.

بين الصينيين والبابليين

عندما نعود إلى حياتنا اليومية العادية يتجلى لنا بوضوح أن فكرة باربور، القائلة بإلغاء الزمن، لا يمكن العمل بها مطلقاً. فنحن لا نستطيع حتى إرغام أنفسنا على وضع تعريف جديد للزمن وفق صياغات حديثة. لقد حوّلنا كل أوصاف عالمنا المادي تقريباً إلى النظام العشري ولكننا لا نزال نستخدم مقاييس بدائية عند التعامل مع الزمن. فقد عرف البابليون الكواكب السبعة، وعلى هذا الأساس أصبح لدينا أسبوع قوامه سبعة أيام، كذلك عندنا في اليوم الواحد 12 ساعة للنهار ومثلها لليل والسبب في هذا هو أنهم أعطوا كل برج في دائرة الأبراج ساعة واحدة. وعلى غرار ذلك لدينا الساعة المؤلفة من 60 دقيقة، والسبب هو أنهم كانوا يعتقدون أن الرقم 60 فأل يبشر بالخير.
ثمة طرق أخرى لفعل ذلك، فقبل آلاف السنين كان الصينيون يتعاملون مع الزمن بالنظام العشري، إلا أنهم تخلو عنه عندما جاءهم الفلكيون اليسوعيون بالنظام الأوروبي. بعد ذلك عاد حساب الزمن بالنظام العشري إلى الظهور لفترة وجيزة بعد الثورة الفرنسية في 1789، بل أن عالم الرياضيات المشهور “بيير سيمون لابلاس” كان يملك ساعة تقرأ الوقت بالنظام العشري، كما أنه كتب عمله الشهير “رسالة في الميكانيكا السماوية” مستخدماً وحدات عشرية للزمن.
إلا أن البابليين هم الذين انتصروا في النهاية والسبب عائد بدرجة كبيرة إلى العوامل الاقتصادية. فالأمم التي يقوم رخاؤها على أساس قدرتها على خوض البحار للتجارة لا تكون مستعدة للتخلي عن أجهزتها ووسائلها، مثل السدسية والمزواة والخرائط والجداول المعدة كلها وفق النظام البابلي. ولكن هذه العقبة لم يعد لها في يومنا وجود لأن جهاز تحديد المواقع “جي بي أس” يستخدم الوقت الذري، الذي يعتمد ذبذبة الإشعاع المنبعث من ذرات “سيزيوم-133″، كأساس للقياس. بيد اننا نستعمل هذا المعيار الذري لتعريف الثانية وليس لتغييرها.
يبدو أن حياتنا المعاصرة لن تسمح لنا أن نعبث بالزمن، لأننا نعتبر الزمن شيئاً نفيساً للغاية. ولكن ربما نستطيع الخروج بتصوّر ما إذا ما علمنا بأن أبعد القبائل صلة بما يدور في العالم وأكثرها عزلة وانقطاعاً تكون علاقتها بالزمن هي الأقصى دقة من الناحية العلمية. فأهالي “أورو يو واو واو” في البرازيل مثلاً يستطيعون التكلم بصيغ تتقدم فيها الأحداث أو تتأخر بالنسبة لبعضها، والسبب هو أنهم ليس لديهم مفهوم مجرد للزمن بوصفه شيئاً مستقلاً منفصلاً أو باعتباره الخلفية التي ينتظم عليها تتابع الأحداث. ليست هناك في لغة هذه القبيلة كلمة تشير إلى الزمن كمعنى منفصل، فليست عندهم كلمة تعني الشهر مثلاً أو السنة.
من المستحيل تصوّر إمكانية الحياة على هذا النحو، ففي ثقافتنا توضع المفاهيم المعبّرة عن مرور الزمن بموضع المقدّسات التي لا يجوز مسّها. لهذا السبب قد نشهد في العام المقبل حدثاً دولياً له ارتباط بالزمن والوقت.

إضافة “ثانية كبيسة” .. أم وضع تعريفات جديدة؟

الأزمة آتية بلا شك، والسبب هو أن دورة الأرض آخذة بالتباطؤ بفضل قوى الشدّ التي تتعرّض لها من قبل الشمس والقمر. نتيجة لهذا سيصبح اليوم (الذي يعرّف بأنه الوقت الذي يستغرقه دوران الأرض حول نفسها دورة كاملة) أطول. وقد اعتدنا أن نعالج هذه المسألة منذ السبعينيات بطريقة التعويض، وذلك بإضافة “ثانية كبيسة” كلما مرّت فترة معينة، ولكن هذا بدأ يثير لغطاً وتذمراً لأن شركات التكنولوجيا، التي وجدت نفسها ملزمة بإقحام هذه الثانية الكبيسة في برمجيات حاسباتها على أساس الارتجال وكلما دعت الحاجة، تشتكي من صعوبة هذا الأمر ومن كونه يتسبب بأخطاء تؤدي أحياناً إلى انهيار أنظمة حاسباتهم.
لقد اتفقت حكومات أغلب الدول على ضرورة التوقّف عن إضافة الثواني الكبيسة، ولكن بريطانيا وإلى جانبها قلّة من الدول الأخرى المؤيدة، تقف معترضة، حيث يعتقد وزير العلوم البريطاني “ديفد ويليتس” أن من الحمق قطع العلاقة الثقافية القديمة ما بين الشمس والساعة لمجرد أن الأمر يصيب مبرمجي الحاسبات بصداع بين فترة وأخرى. ولا يكمن الأمر في أن تأثيرات تجاهل الثانية الكبيسة ستصبح ملحوظة في وقت قريب (لأننا لو توقفنا عن إضافة هذه الثانية فسوف تمر نحو 600 سنة قبل أن تصبح نقطة السمت بالنسبة للشمس هي الساعة 12,30 بدلاً من ساعة الظهيرة بالضبط). مع هذا يتمتع ويليتس بقدر من الممارسة في هذا الشأن يسمح له بأن يفوض الرأي العام بالتشاور واتخاذ القرار فيما إذا كان الشعب البريطاني متفقاً معه (أو مع خلفه) بصدد المشاركة في التصويت العالمي على هذه المسألة في 2015.
إذا جاءت نتيجة التصويت مخالفة لرغبة الأوساط التكنولوجية بالتخلي عن الثانية الكبيسة فهناك احتمال بأن تضع تلك الشركات تعريفاتها الخاصة للوقت، إذ ما من سبب يحول دون تمكنها من وضع بصمة الوقت الخاصة بها في أجهزتها وبرامجياتها ويكون لها فيها حق الملكية. وقد لا يطول بنا الوقت كثيراً حتى يجد بعضنا أنهم صاروا ينظمون حياتهم على أساس “توقيت غوغل”، وربما تكون تلك هي اللحظة التي نسلّم فيها بأن الزمن في الحقيقة ما هو إلا الوهم النهائي المطلق.

مايكل بروكس
عن صحيفة الاندبندنت