الرئيسية » منوعات » حسين عبد اللطيف «نار القطرب» التي لا تنطفئ

حسين عبد اللطيف «نار القطرب» التي لا تنطفئ

رحل بعد معاناته مع المرض عن 69 عاماً
بغداد – صفاء ذياب

الآن…
وقد انتهينا من كل شيء
فلم يعد من طائل وراء هذا السعي المحموم
في هذا العالم…
حيث الغلبة للأفعى
في اقتناص الأبدية وحيازتها منك
الجهود، كلها، باطلة، تقريباً
ابنة الندم

شعلة من الإبداع
لم يكن الندم صديقاً وفياً لحسين عبد اللطيف، بل كان هامشاً صغيرا في صفحة حياته الغنية بالشعر والقراءة والابتهاج بالأصدقاء الذين يحيطون به أينما حلَّ. لكنه مع ابتعاده الدائم عن الندم جمع أوراقه وختمها برحيله الأبدي ظهر يوم الخميس الماضي عن عمر يناهز التاسعة والستين عاماً، مخلفاً وراءه خمس مجموعات شعرية، ومئات القصائد التي لم يضمها كتاب، وقلوباً حزينة شيَّعته إلى قصيدته التي لن تموت.
برز عبد اللطيف في نهاية ستينيات القرن الماضي كشاعر يبحث عن نص جديد، فهجر القصيدة العمودية مبكراً ليبدأ بكتابة قصيدة التفعيلة، ومن ثمَّ قصيدة النثر. أصدر خمس مجموعات شعرية منذ العام 1977 الذي صدر فيه كتابه الأول “على الطرقات أرقب المارة”، وصمت طويلاً قبل أن يصدر كتابه الثاني “نار القطرب” في العام 1995، إذ نال عنه الجائزة الأولى كأفضل نتاج شعري عراقي من قبل وزارة الثقافة والإعلام، فضلاً عن مجموعته “لم يعد يجدي النظر”، و”أمير من أور” و أخيراً “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة- متوالية هايكو” في العام 2012.

كان ينبغي أن تبقى معنا
في كلمته عن عبد اللطيف، يحكي الناقد جميل الشبيبي عن علاقته به، فيقول إنه كان قبل ساعتين من رحيله يحدثه عبر الهاتف، معافى لا تأثير يذكر على مرضه أو ما ينبئ بموته الوشيك، كان مشغولا بالآخرين وليس بنفسه، كعادته دائما، فلم تعرف عنه نرجسية الشاعر التي تتجلى عند الكثيرين من أصدقائنا الشعراء، “كان يحدثني عن ملف قيد الإنجاز عن الشاعر سعدي يوسف، وعندما قلت له أن شاعراً  مثل سعدي يحتاج إلى ملف يليق به وبتجربته الكبيرة، قال إنه بصدد كتابة طويلة تتحرى تجربة هذا الشاعر، ولا أعرف إن كان قد أنجز قسما منها أم لا”.
ويضيف الشبيبي: تمتد تجربة الشاعر حسين عبد اللطيف الشعرية إلى أكثر من أربعين عاما أصدر خلالها خمسة دواوين شعرية ومجموعة من المقالات، وكان خلالها يتأمل حياته وحياة الناس من حوله، ولم يكن ديوانه الأول “على الطرقات أرقب المارة” الصادر العام 1977 هو بداية طريقه الشعري، بل ان نتاجه يرقى إلى منتصف الستينيات، غير أن الظروف الصعبة التي عاشها مع مجايليه من الشعراء والمثقفين البصريين، في الهامش المهمل من الثقافة العراقية كان سبباً في تأخر ظهور نتاجاته الأولى، وخلال ثمانية عشر عاماً، ابتداء من العام 1977 لم يصدر لهذا الشاعر سوى ديوان واحد، في حين كان نشاطه متميزاً  وفي قلب الحدث الثقافي والأدبي، قراءة ونشاطاً ثقافياً يشهد له بذلك عشرات الكتاب البصريين الذين قرأ أعمالهم وشجعهم على الكتابة، وكان يتوسط لهم لنشر نتاجاتهم في الصحف والمجلات العراقية بشكل خاص. و”بهذا المعنى نستطيع أن نؤكد أن معظم أدباء مدينة البصرة ممن ظهرت نتاجاتهم منذ نهاية السبعينيات وحتى وقت قريب كانوا قد أفادوا من تجربة هذا الشاعر ومن نصائحه وتصحيحاته لنتاجاتهم، وبذلك يكتسب الشاعر حسين عبد اللطيف مكانة خاصة في المشهد الأدبي والشعري في البصرة بشكل خاص، ويمثل نتاجه الشعري عصارة حياة ثقافية ومعاناة في استخلاص جوهر الشعر من خلال النأي عن اليومي والمألوف، باستثمار لغة شعرية تكتنز بالمجازات والصور المبتكرة، وباطلاع واع على منجزات الشعر العربي والتأثر بترجمات الشعر الغربي، في مزاوجة اتضحت معالمها في دواوينه الصادرة وخصوصا ديوانه الثاني “نار القطرب””.
الشبيبي، الذي رافق عبد اللطيف طويلاً، يشير إلى أنه عاش الشاعر حياة قاسية، يعذبه مرض السكر المقيت، ورحيل ابنه البكر حازم، لكنه على الرغم من كل صعوبات حياته، فقد كان متجاوزاً لآلامه، يعيش في قلب الحياة الثقافية العراقية حضوراً دائماً، يتضح ذلك في تجربته الجديدة في ديوانه الأخير “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة”، استثمر فيه أفق قصيدة الهايكو للتأمل والحوار مع الذات بعلاقتها مع الطبيعة بعيداً عن منغصات الحياة والآلام المبرحة التي عانى منها كثيراً وكانت تجربة شعرية متميزة وجديدة على عالمه الشعري.

تجربتان بصريتان
يقدم الناقد بشير حاجم قراءة أخرى للراحل من خلال مقارنته مع الشاعر شاكر العاشور الذي سبق عبد اللطيف بالنشر، فيشير إلى أنهما من أبرز شعراء المحافظات الستينيين الذين كسروا قاعدة (المتن “العاصمة”- الهوامش “المحافظات”) لدى حركتنا النقدية العراقية منذ ولادتها خلال عشرينيات القرن الماضي. إذ “أجبر” هذه الحركة على الالتفات إلى نصوصه عند بدايات العقد السبعيني بوصفه مع الشاعر شاكر العاشور أهمّ شاعرين ستينيين في محافظة البصرة. لكنّ التفاتا كهذا إلى عبد اللطيف أخطرُ مما هو إلى العاشور من حيث أن هذا الأخير كان قد أصدر أولى مجموعاته (أحببت الجارة يا أمي) في العام 1969 بينما لم يصدر الراحل مجموعته البكر (على الطرقات أرقب المارة) إلّا في العام 1977. وعلى الرغم من صدور أول أجزاء الأعمال الشعرية لـ العاشور منذ العام 2006 ظل عبد اللطيف متميزا عنه فنيّاً عبر مجموعاته الأخرى. يكفي مصداقاً لتميزه هذا أن مجموعته الثانية “نار القطرب” قد أحدثت فتحاً جديداً- عراقياً في الأقل- على مستوى “نثر التفعيلة” حيث “الشعر الحر” مؤالف توفيقي ما بين قصيدتي “الوزن” و”النثر”. وإنْ كان قد أسس في تلكم المجموعة لهذا الفتح الجديد فإنه سوف يكرسه في مجموعتيه اللاحقتين: لم يعد يجدي النظر وأمير من أور. كما أنه ظل مجددا في الشعر “رغم أنف المرض” حتى ابتكر في مجموعته الأخيرة “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة” ما وصفها بـ”متوالية هايكو” حيث (الإمضاءات التي يوقعها المعجب بهم لمعجبيهم في “الأوتوجرافات”). لهذا فقط، وهو “بُعيْض” مما له، يغدو رحيل الشاعر حسين عبد اللطيف “ثلمة لا تُسدّ” ـ أي “خسارة لا تُعوًض” أو “فراغة
لا تُملأ” في “حائط” شعرنا العراقي المعاصر.

ذروة النهاية
يؤكد الكاتب رمزي حسن، أنه على الرغم من اعتلال صحة عبد اللطيف، كان في الفترة الأخيرة في ذروة اندفاعه للعمل، فقد أعدَّ قبل شهرين وبجهد فردي ملفاً عن السياب وكان يعمل قبل رحيله على إعداد ملف آخر عن الشاعر سعدي يوسف، فضلاً عن عمله على مشاريع أخرى.. ماذا يعني كل هذا؟ هل تراها صحوة متأخرة أو إحساس بالنهاية، ما يجعل الشاعر بهذه الفورة المتقدة؟ هل هو دين يثقل عليه ويحاول الآن تسديده أو واجب أخلاقي يحتم على المثقف القيام به تجاه مجايليه وأقرانه، وقد كان يقوم بذلك وكأن روحاً فتية بثت في
جسده النحيل، ولكن ها هو قلب الشاعر قد توقف الآن ورحل فجأة وهو في
ذروة حماسه وكأنه يأبى أن يغادر هذا العالم من دون أن يكمل عمله بشرف.