الرئيسية » دولي - تقارير » مثقفون: طقوس رمضان تتكامل مع القراءة المركزة في أجواء روحانية

مثقفون: طقوس رمضان تتكامل مع القراءة المركزة في أجواء روحانية

سكينة تبعث على التأمل وتغذية المحبة بين الناس

ربما لا تختلف طقوس رمضان التي يعيشها المواطن العراقي بين صائم ومفطر، بين معني بالثقافة وآخر جل همه الحياة اليومية والعائلية. فرمضان يجمع الكل في ساعاته ويجعلهم يعيشون هدوءاً وسكينة وطمأنينة وشعورا بالراحة التي لا يضفيها أيُّ شهر آخر طوال السنة.عُرفت بغداد والمحافظات العراقية عموماً بطقوس خاصة تبدأ من الليلة التي يُعلن فيها عن رؤية الهلال ولا تنتهي بمجرد رؤية هلال العيد، منها لعبة المحيبس التراثية التي تنتشر في الشارع والمحلات العراقية، هذه اللعبة التي تستهوي آلاف العراقيين من لاعبين ومشجعين.
إضافة إلى طقس الحكواتية، على الرغم من عدم انتشارها في العراق كما موجود في القاهرة ودمشق، إلا اننا، حينما كنا صغاراً، كنا نرى آباءنا وأخوتنا الكبار يتقاطرون على أماكن خاصة لسماع الحكاية القديمة، ويصغون إليها باهتمام كبير في بعض المدن العراقية.
الأوضاع الجديد والتغيرات التي طرأت على الشارع والمجتمع العراقي حالت دون استمرار أغلب طقوسنا الفولكلورية الخاصة، لكن مع هذا بقي لرمضان طعمه ونكهته الخاصة. وربما يكون المثقف هو المعني بطقوسه الخاصة بمثل هذه الأوضاع. لذا حاولنا الوقوف على أهم الممارسات التي يهتم بها هذا المثقف وما يعنيه له شهر رمضان.

أجواء خاصة

يرى الشاعر الدكتور حسن عبد راضي أن طقوس المثقف ربما تنقسم الى قسمين، مثقف صائم ومثقف غير صائم. و”بحكم أني صائم، فهناك جو عائلي خاص في رمضان، يحرص على أن يكون هذا الجو إيجابياً ومفعماً باستلهام القيم التي يشيعها رمضان وأجواؤه الكريمة. أيضاً هناك قراءات ومتابعات خاصة، فضلاً عن الحصة الكبيرة للتلفزيون من وقت رمضان، ستشاهد حينها المسلسلات التي لها خصوصية، والمهم أن القراءة مستمرة، لكنها قد تتأثر بالبرامج المختلفة لشهر رمضان، ربما تكون في أوقات متأخرة.
إضافة إلى زيارة الأهل والأقارب باستمرار..” ويتحدث راضي عن العادات التي كان العراقيون يمارسونها سابقا، فيقول إن الناس كانت تتحدث عن المحيبس والألعاب الشعبية، لكن الآن لا الظروف ولا الوقت يسمح بمثل هذه الفعاليات، لذا نكتفي بالمتاح، ويأمل أن تأتي رمضانات أخرى على العراق وهو ينعم بالأمان، بحيث لا تدخر جهداً، ولا فعالية لكي تتحقق ضمن أجواء رمضان.
صباح القراءة

أما الناقد الدكتور جاسم الخالدي فيؤكد أن لرمضان نكهة خاصة، هذه النكهة تأتي من طبيعة هذا لشهر الفضيل وبما فيه من طقوس عبادية. “ربما هذه العبادات تعطل الجسد والعقل البشري الى لدرجة من الإرهاق والتعب، لذا لدي في هذا الشهر طقس القراءة في أوقات محددة، فأغلب قراءاتي في الصباح الباكر لأكثر من ساعتين، وإذا كان لدي مشروع بحثي أو كتابة فأخصص له الصباح، فضلاً عن استثماري الليل بعد الإفطار لأبدأ بالقراءة التي غالباً ما تكون ثقافية ومتنوعة، فأنا أميل في هذا الشهر لقراءة الرواية فضلاً عن بعض الكتب التي تتعلق بالطقوس العبادية، وعلى الرغم من جهد هذا الشهر، فلا يمنع ذلك من مزاولة العمل الثقافي بكل أشكاله”.

محاولة للتغيير

الشاعرة هنادي جليل تشير إلى أن طقوسنا في رمضان تختلف في كل شيء، يتجه الناس إلى تصفية النفوس وإظهار المحبة، و”ككاتبة يكون لدي وقت أكبر للقراءة والكتابة، لهذا سأتفرغ للقراءة، ومن ثمَّ ستكون هناك لقاءات مستمرة مع الأصدقاء والمثقفين للتحاور ومناقشة الأمور الثقافية والحضارية، ومحاولة لفهم ما يحدث في العراق لتغيير ما يمكن تغييره”.

نقاشات مستمرة

في حين يشير الشاعر ميثم الحربي إلى أن هذا الشهر بالنسبة له لا يختلف عن بقية الشهور من حيث القراءة والمتابعة “لأني مرتبط بالكتابة لصحف عراقية وعربية. لكن الحياة اليومية بشكل عام تغير من طقوسي في القراءة والكتابة، بسبب المعارك اليومية مع المولد والإيجار والانترنت، كلها دخلت في التفاصيل، لأننها نتعامل معها لحظة بلحظة، إضافة إلى موضوع الخدمة والسهر على العائلة التي تجعلك غير متفرغ على أكثر من جهة في آن واحد”.
أما الطقوس الثقافية، فيحاول الحربي أن يلتقي بأصدقائه المثقفين والإعلاميين، ليتحاوروا بالأشياء الحساسة التي يمر بها العراق على المستوى السياسي والأمني عموماً.

سكينة خاصة

وعلى الرغم من انشغال الناقد حسن السلمان بمشاريعه الكثيرة، إلا أن لرمضان لديه خصوصية وطقوسا، منها عودة لإحياء بعض العادات الفولكلورية التي تصاحبها السكينة عادة. إذ يستغل المثقف هذه الفترة من السكينة والصفاء ليقرأ بتمعن وتركيز أكثر.
إضافة إلى ذلك يضفي رمضان لمسة روحية على المثقف سواء أكان ملتزماً أم لا، لكنه بالمجمل العام هناك مناخ عام يضطر المثقف إلى أن يتماهى مع هذا الجو، فيعيش شأنه شأن بقية الملتزمين بهذا الشهر الذي يضفي نوعاً من اللمسات الروحانية والإنسانية.

أفكار جديدة

ولا بد أن تكون طقوس الأديب بعد الإفطار خاصة، حسب ما يقول الشاعر رعد زامل، أولى هذه الطقوس الانعزال والبدء بقراءة عمل رواية تختتم مع نهاية شهر رمضان، ولكن بسبب اختلاف أوقات الأكل أحياناً تختلف طقوس الشاعر في كتابة القصيدة، فتأتي القصيدة في ليال رمضانية عدة، و”لا ننسى أن هذا الوقت يبعث في الإنسان صفاءً جديداً خالصاً فتومض في عقله أفكار عدة وقصائد كثيرة وعلى المثقف الجاد أن يصطادها”..

ملامح مبتكرة

في حين يشعر الروائي حسن البحار أن هناك هدوءاً يساعده على إكمال قراءة ما تأجَّل من كتب في أثناء انشغاله بالحياة اليومية ما قبل رمضان، و”بالتالي سيكون الليل موطناً لقراءاتي، إذ أميل خلال هذا الشهر للقراءات الدينية التي استشف منها الكثير من العبر التي تفيدني كسارد في كتاباتي الروائية والقصصية. ومن ثمَّ أرى وأشاهد في اثناء خروجي للشارع، صوراً ومعالم تعطيني دافعاً لبناء السرد والاشتغال على ملامح جديدة في كتاباتي”.