الرئيسية » خبر مميز » أردوغان الداعشي

أردوغان الداعشي

امين قمورية/كاتب لبناني

سقط رهانه في سوريا، تورط بفضائح فساد مدوية، خرجت ضده تظاهرات حاشدة في قلب معقله اسطنبول، فشل في محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، خسر ابرز شريك اسلامي له هو الداعية فتح الله غولن، لم يحقق تقدماً في المفاوضات القبرصية، لم يخطو أية خطوة لصالح التتار الاتراك في القرم، كمم الأفواه، قمع الخصوم، عاقب وسائل الإعلام، أغلق مواقع التواصل الاجتماعي، زج بأبرياء كثر في السجون.. ورغم ذلك كله استطاع الفاتح العثماني الجديد الحفاظ على شعبيته.
أردوغان تمكن من عسكرة كتلته الشعبية، فلديه دوماً عدو ما يخوف به أنصاره ويشد من عصبهم للبقاء ملتفين حوله، ولديه قاموس غني جداً جداً بالأعداء؛ فهناك العلمانيون الذين يصورهم بأنهم فاسقون، وهناك ما يسميه بـ”لوبي الفوائد المصرفية” ويدعي ان الأغنياء الكبار يريدون خلق الاضطرابات وإثارة البلبلة لخفض سعر الليرة التركية ورفع مستوى الفوائد في المصارف بهدف خلق كتلة من التضخم النقدي تصب في جيوبهم، وهناك اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة بعدما صور نفسه مدافعا عن القضية الفلسطينية. ومن الأعداء أيضاً إيران، حيث اتهم إعلامه إيران بالوقوف إلى جانب جماعة غولن بسبب “غيرة العجم من نجاحات الترك” على حد تعبير هذه الوسائل.
ومن الأعداء ايضا الضباط الذين اتهمهم بـ”الوقوف ضد الخيار القومي للأمة”، و”عصابة أرغنكون” العلمانية العسكرية المتهمة بمحاولة الانقلاب على الحكومة، وهناك أيضاً وأيضاً الصحافيون الذين يتهمون بتدبير الأرضية الإعلامية للانقلاب على الحكومة. وهناك كذلك الأوروبيون “النزقون” الذين تزعجهم نجاحات تركيا العالمية. وانضمت اخيرا إلى هذا القاموس “الدولة الرديفة” أو “الدولة الموازية”، وهو التعبير الذي يطلقه أردوغان على جماعة الداعية غولن ، وينعتهم بالحشاشين.
لقد استطاع أردوغان أن يقنع أنصاره بوجود كل هؤلاء الأعداء الذين يتربصون به، واقنعهم بشكل بارع بأنه الضحية، واستفاد من ضعف المعارضة وتشتتها وغياب القوى الوسطية المعتدلة ليضرب ضربته القاصمة ويعود مزهوا بانتصاراته على رأس السلطة.
بعد “الصفعة العثمانية” التي وجهها الى معارضيه، بات اردوغان طليق اليدين في الداخل والخارج بفضل ما يعتبره تفويضاً شعبياً له ولسياساته. بعض رفاقه الذين كانوا يضمرون رغبتهم بسقوطه من اجل وراثة الحزب والزعامة الاسلامية في تركيا سيعودون اليوم الى بيت الطاعة مكسوري الجناح، والمعارضة العلمانية التي تبخرت من يدها فرصة استعادة السلطة في ذروة حرب الفضائح التي فتحت على الحكومة، لا بد لها ان تجهد كثيراً للملمة صفوفها قبل الاستحقاقين الانتخابيين التاليين، فالتعبئة المذهبية التي سعّر نارها حزب اردوغان في اللحظات الحرجة كانت أشد وقعاً في نفوس الناخبين من روائح الفساد والرشى. مع العلم ان هذا التحريض سيف ذو حدين، فقد دفع النافخون فيه اثماناً باهظة عندما ارتد عليهم لاحقا وخصوصاً في جوار تركيا من العراق الى سوريا الى
لبنان.
انباء انتصارات اردوغان في انقرة واسطنبول لن تسر المقيمين في قصر المهاجرين بدمشق ولا المشير الذي يستعد للاقامة بقصر الاتحادية بالقاهرة ولا آخرين في عواصم كثيرة. أردوغان خيب توقعات المحللين ومنجمي السياسة والاعلام بالفوز الكبير لحزبه في الانتخابات البلدية. كان الجميع يتكهّنون بحجم الخسارة التي سيمنى بها في هذا الاستحقاق المفصلي. صار السؤال هو: ما هي الخطوة التالية لشاغل تركيا والاقليم منذ عشر سنين: رئاسة الجمهورية بصلاحيات واسعة، أم تعديل دستوري يتيح له ولاية رابعة في رئاسة الوزراء؟، وما هي خططه لمعارك مقبلة؟.
الشرق الاوسط، نبع مفاجآت لم يتوقف منذ ثلاث سنوات. من تداعي حكم مبارك وبن علي والقذافي وعلي عبد الله صالح، الى العزل المبكر لمرسي والصعود السريع للسيسي والفوز المدوي لروحاني والبقاء المديد للاسد، ويضيف اردوغان مفاجأة جديدة الى المسبحة الطويلة من المفاجآت. ومع كل مفاجأة يتغير معطى وتنقلب معادلة ويرتسم مشهد سياسي مغاير لما كان اعتيادياً.
عودة اردوغان مزهواً الى الساحة السياسية، تعطي جرعة تفاؤل لأنصار الاسلام السياسي بعد النكبة التي حلت بـ”الاخوان” بعزل مرسي صديق اردوغان ورديفه المصري وقد تجلب متاعب اضافية للسيسي الطامح الى حكم بلاد النيل. أما نظام دمشق فيكبر قلقه بعد المكاسب التي حققتها المعارضة في كسب وريف اللاذقية المحاذيين لتركيا وبدعم واضح من انقرة واصرار منها على مواصلة الحرب.
الزعيم العثماني المجدد له يخوض حروبه المقبلة في الداخل والخارج متسلحاً بتفويضين: الاول شعبي محلي، والثاني اميركي اوروبي أملته ضرورات ازمة القرم بين روسيا والغرب، ذلك ان تركيا التي تتحكم بالبحر الاسود خروجاً ودخولاً هي الدولة الوحيدة التي يمكنها التحكم بقدرة روسيا على الوصول الى البحر الابيض.
ما هي المفاجأة التالية وفي اية عاصمة ستدوي؟ الارجح ان الجواب قريب تبعاً للعادة الجديدة في الشرق  الاوسط!.

اضف رد