الرئيسية » دولي - تقارير » الجهاديون البريطانيون: عندما تصبح المغامرة مسألة أمن قومي

الجهاديون البريطانيون: عندما تصبح المغامرة مسألة أمن قومي

في شباط/فبراير 2014 قاد جهادي بريطاني شاحنة محملة بأطنان من المتفجرات وفجرها في سجن حلب العسكري، وكان عبد الواحد مجيد (43 عاما) أول بريطاني يقوم بعمل انتحاري، وأكدت مشاركته مخاوف المسؤولين الأمنيين في بريطانيا من أن رحلة الجهاديين الشباب من بريطانيا للدفاع عن المسلمين في سوريا ضد النظام الطائفي هناك ليست مجرد «نزهة» كما صورتها مواقع التواصل الإجتماعي وصورها المتطوعون البريطانيون الذين وضعوها على «تويتر» و»فيسبوك» و»انستغرام» وغيرها من الميديا الجديدة.

وظل المتطوعون مصدر قلق للسلطات الأمنية التي لم تخف من موتهم في ساحات القتال قدر خوفها من عودتهم وقد تمرسوا عسكريا وأيديولوجيا لتخطيط ولتنفيذ عمليات داخل البلاد. فالغالبية العظمى من المتطوعين البريطانيين انضمت للفصائل الجهادية المقاتلة السورية. واللافت للنظر أن الدراسات التي صدرت في بداية الإنتفاضة السورية ومنها تلك الصادرة عن مركز دراسات الحرب في واشنطن «الجهاد في سوريا» ومركز الأزمات الدولية في بروكسل «جهاد مؤقت» وهي دراسات أولية رصدت الظاهرة الجهادية- السلفية بشكل عام في سوريا، لاحظت كيف يتم التفريق بين «ثوار» و «مجاهدين».

فالأول يوصف به المقاتلون السوريون والثاني المتطوعون الأجانب. وقللت الدراسات من أهمية الدور الذي يلعبه هؤلاء، فلم تكن ظاهرة المتطوعين الأجانب مهمة حتى للسوريين، حيث نظــــروا إليــها في بداية الثورة كعامل مكمل وطالما حث الناطقون باسم الجيش الحر الغرب على إرسال أسلحة وليس متطوعين.

لكن المشهد تغير مع صعود «جبهة النصرة لأهل الشام» وبعدها «تنظيم الدولة الإسلامية في العــــراق والشام» (داعش) والذي أثبت قدرات جيدة على جذب المقاتلين الأجانب. مع أن هؤلاء لم يكونوا جزءا من فصيل بعينه وكانوا ينضوون تحت لواء «كتائب المهاجرون والأنصار» أو «الكتيبة الشيشانية» التي اشتهرت بشراستها.

هناك أكثر من 12 ألف مقاتل أجنبي في سوريا من 50 دولة، حسب التقديرات الأمريكية، من بين هؤلاء تظل أعداد المتطوعين من الدول الأوروبية قليلة لا تتجاوز المئات. ويعتبر البريطانيون من أكثر الجماعات الأوروبية المقاتلة في سوريا، وتقدر المؤسسات الأمنية عددهم بين 500- 600 وبعض التقديرات المبالغة تقدر عددهم بحوالي 1300. ومعظم هؤلاء من فئة الشباب في بداية العشرين من أعمارهم ومن طلاب الجامعات أو المدارس الثانوية وكلهم من الذكور باستثناء مجموعة قليلة من الإناث اللاتي ذهبن إلى هناك مدفوعات بدافع مساعدة الجهاديين والزواج منهم ان اقتضى الأمر، حيث انتشرت فكرة الزواج هذه إما بفعل وسائل التواصل الإجتماعي أو بطرق أخرى.

وعلى خلاف المتطوعين في حروب سابقة، يمثل المتطوعون في الحرب السورية مشكلة للحكومة البريطانية وترى فيهم تهديدا للأمن القومي، كما اتضح أخيرا في سياسة ديفيد كاميرون الذي أعلن عن معركة مع جهاديي سوريا والعراق. وقامت وزارة الداخلية بسحب جنسيات عدد من المتطوعين في سوريا وهددت بسجن من يعود، ويراقب رجال الأمن في المطارات حركة الشباب المسافرين خاصة لتركيا ويحققون مع بعضهم حول دواعي سفرهم إلى هناك، وأصبح الإنخراط في نشاطات إنسانية وإغاثية مدعاة للشك. وكما وأعلن كاميرون عن حذف 47.000 مادة جهادية على الإنترنت، وهدد بسجن من يرفع علم الدولة الإسلامية في أي مكان في بريطانيا.

يرتبط الجدل حول دور المتطوعين المسلمين في سوريا بموقف الإعلام من المسلمين أنفسهم (1.8 مليون) وبمرحلة ما بعد 9/11 و 7/7 في لندن حيث يتم التعامل مع المسلمين كخطر، وتعمم الصحافة اليمينية بل وسياسات الحكومة لمواجهة التشدد والإرهاب «بريفنت» مثلا في تعاملها مع المسلمين وتخلط بين العمل معهم لمكافحة الإرهاب واتهامهم بارتكابه، مما أدى لآثار سلبية وفقدان ثقة بالحكومة. فنسبة الجهاديين لا تتجاوز 0.4٪ من جالية لا تتجاوز نسبتها 4.3٪ من مجمل عدد السكان. وقد ظل المسلمون آباء وقيادات يتعرضون لضغوط شديدة لشجب أفعال أبنائهم التي لم يعرفوها، وتتعرض مساجد ومراكز إسلامية مثل ما حــدث مع «مركز المنار» في كارديف لاتهامات بغرس الأفكار الجهادية لا لسبب إلا لأن متطوعين صلوا فيه قبل سفرهم لسوريا. كما ودعت الشرطة البريطانية العائلات الإبلاغ عن أبنائهم وتسليمهم حال اكتشفت نواياهم للتطوع والجهاد. والمشكلة أن العائلة لا تعرف ما يدبر ابنها، ولا تكتشف غيابهم إلا بعد إعلان المواقع الجهادية عن استشهاد أحدهم في سوريا.

من الصعب فهم وتحديد دوافع المتطوعين للجهاد في سوريا، فالنزاع كغيره من النزاعات التاريخية التي شارك فيها متطوعون كما في الحرب الأهلية الإسبانية عام 1937 والثورة الفلسطينية وحرب البوسنة وغيرها تعبيرا عن التضامن وتأكيدا للهوية، وبالنسبة للمسلمين حماية لإخوانهم المسلمين. ويظل التضامن مع المستضعفين هو الدافع الأكبر، وقد يكون الدافع إنسانيا ويتطور فيما بعد للتطوع في القتال. وربما ذهب المجاهد بحثا عن رحلة رومانسية ومغامرة في الصحراء تطورت للدخول في الحرب واكتشاف ويلاتها، وقد يكون التأثر بصور شاهدها على التلفزيون أو الإنترنت دافعا للسفر إلى سوريا. وفي مقابلات أجرتها «بي بي سي» مع جهادي لقبه أبو مهاجر قال إنه ينتمي لعائلة متعلمة وجيدة الحال وإن والديه يعرفان بقراره الذهاب لسوريا، وبالنسبة لأمير دغاييس فقد قرر السفر مع أخويه عبدالله وجعفر لسوريا رغم نصيحة والدهم لهم أن بأمكانهم مساعدة السوريين بطرق أخرى (حسب شهادات لأمير في فيلم «صعود الجهاد البريطاني في سوريا»). وحسب دراسة أجراها «المركز الدولي لدراسات التشدد والعنف السياسي» في جامعة كينغز- لندن تحت عنوان «هاشتاغ- الطيور الخضراء» والتي قام بها باحثو المركز بالتواصل مع جهاديين بريطانيين في سوريا للتعرف على دوافعهم وحكاياتهم. وكشفت الدراسة أن الحرب الأهلية السورية تعتبر أول نزاع يشارك فيه المقاتلون من الدول الغربية وبأعداد كبيرة. وكشفت عن أهمية وسائط التواصل الإجتماعي في التعرف على العوامل التي الهمتهم ودفعتهم للمشاركة. وأظهرت الدراسة ان معلومات المقاتلين عن النزاع لم تأت من المصادر الرئيسية التي توفرها الفصائل المقاتلة عن نشاطاتها بل ومن مصادر فردية متعاطفة مع القضية وبعض هؤلاء لم تطأ قدماه سوريا.

وعلى خلاف النزاعات الأخرى لم يعد المسجد أو الخطيب المصدر الرئيسي لما يجري في محاور الحرب ولا المقاتلون الذين ذهبوا ثم عادوا فغالبية هؤلاء يحصلون على معلوماتهم مباشرة من متطوعيـــن سافــروا إلى هناك ونشــــروا نشاطاتهم على الإنتـــرنت أو من شخصيات «نجـــــوم» مثل افتكار جامان الذي قـتل نهاية العام الماضي قرب دير الزور، وهو من مدينة بورتسموث، وظهـــر الشاب على «بي بي سي» ودافع عن نفسه وأكد ان لا خوف من عودته لأنه لن يعود لبريطانيا من سوريا.

وكشفت دراسة جامعة كينغز عن ظهور شخصيات ملهمة توفــــرت موادهم على الإنترنت ومنهم احمد موسى جبريل، وهــــو فلسطيني أمريكي من شيكاغو وموسى سيرناتيو- أسترالي من أصول أيرلندية وإيطالية. ومع أنه لا توجد أدلة عن انخراط هذه الشخصيات في التجنيد أو لقاء المقـــاتلين إلا أنهم يلعبون دور «المشجع» للحرب في سوريا. وقام بعض المتطوعين بالبحث في الإنترنت وسافر لتركيا ومن هناك التقطه أشخاص متخصصون ونقلوه إلى الجماعة المعينة.

وتظل قصص وصور المقاتلين وطريقة حياتهم دافعا للمغامرة في سوريا. ولعل سهولة السفر لسوريا كانت عاملا في ارتفاع المقاتلين البريطانيين فكل ما يحتاجه هو تذكرة طيران بأسعار مخفضة وجواز سفر حيث يصل مطار اسطنبول ومنها إلى غازي عينتاب في رحلة داخلية.

سهولة السفر وقرب المسافة دفع بديفيد كاميرون الى التأكيد في مقالته الإسبوع الماضي التي نشرتها «صاندي تلغراف» على كون ما يجري في العراق مشكلة محلية. وبالقطع فحادث مقتل جيمس فولي، وكون المنفذ بريطانيا بحسب معظم التقديرات، اسمه الأول «جون» يضع ضغوطا على الحكومة البريطانية لاتخاذ اجراءات غير التي أعلن عنها كاميرون قبل أيام واصدار تشريعات متشددة.

ونحن مقبلون بالتأكيد على مرحلة صعبة بالنسبة للمسلمين في بريطانيا. فتحول الشباب للعنف والقتل في العراق، وهي ظاهرة جديدة لم ترصد إلا في العام الماضي ستضع المسلمين مرة أخرى في دائرة الضوء، وسيتم التشكيك بولائهم. فهم يندفعون للتطوع في المنظمات الإرهابية ولكنهم يبتعدون عن الإنضمام للجيش البريطاني حسب صحيفة «التايمز».

وفي مرحلة ما بعد فولي ستتخذ الحكومة من مقتله ذريعة للتدخل أكثر في العراق ولمراقبة شديدة على المسلمين وتفعيل قوانين باسم مكافحة التشدد والإرهاب. والمشكلة تظل قائمة كيف سنوقف تدفق الجهاديين لسوريا، فمثلا كلما حذفت الحكومة مواد على الإنترنت تحرض على الجهاد ظهرت أخرى، ففي كل دقيقة يتم تنزيل 100 مادة جهادية.

القدس العربي