الرئيسية » دولي - تقارير » الايزيديون يحملون عذاباتهم وذكرياتهم إلى أوروبا

الايزيديون يحملون عذاباتهم وذكرياتهم إلى أوروبا

في غرفة بأجواء اوروبية حيث الحيطان مصقولة على مهْلٍ بدهان ابيض، لم تبق من ذاكرة الوطن، سوى صورة بالأسود والابيض لمعبد “لاش” المقدس لدى الايزيديين، في شمال العراق.
يزدحم الجدول اليومي لفائق حسن، الإيزيدي الذي يعيش في هولندا منذ 2001 باستقبال مهجّرين من طائفته ومن اقليات اخرى بدت تصل تباعا الى هولندا ودول اوروبية، تساعده في ذلك خبرته الطويلة في المهجر.
وفي حين يتابع أطفاله الذين ترعرعوا في ظل ثقافة أوروبية، عبر التلفزيون الهولندي اخبار العراق بقلق شديد، يتابع حسن عبر الفضائيات العراقية والعربية، وضع الايزيديين المحاصرين في  جبال كردستان.ويعكس هذا الاختلاف في الثقافات، مشاعر متباينة ازاء الطائفة الأم، فالوالد الذي لا يجيد الهولندية، بدا في وضع “اكثر قلقا” من الابناء الذين لا يحسنون الكردية أو الآرامية.
وبين جيليْن مختلفيْن، حلّت عائلة مراد الإيزيدية النازحة منذ نحو اسبوع من العراق، ضيفا في بيت حسن.
وكان عدد المهجّرين من محافظة نينوى العراقية والمدن التابعة لها بلغ نحو 600 ألف شخص، منذ سيطرة عصابات “داعش” على المحافظة، في العاشر من حزيران، فيما قتل مسلحو التنظيم 500 شخص من الأقلية الإيزيدية  ودفنوا بعض الضحايا أحياء، بينهم نساء وأطفال، وأسروا 300 امرأة، وفق ما أعلنه ممثّل “الشبك” في البرلمان العراقي النائب حنين قدو.وفي غرفة بأجواء اوروبية حيث الحيطان مصقولة على مهْلٍ بدهان ابيض، لم تبق من ذاكرة الوطن، سوى صورة بالأسود والابيض لمعبد “لاش” المقدس لدى الايزيديين، في شمال العراق.
فيما تتوسط الغرفة من الجانب الاخر صورة الثعبان الاسود الذي انقذ البشرية عندما نفذ في الثقب الذي اصاب سفينة نوح اثناء اصطدامها بالصخرة خلال الطوفان، فمنع تسرب الماء اليها.
ويقع “لاش” الذي يرجع تأريخه الى الالف الثاني قبل الميلاد، في منطقة “عين سفني” الجبلية (60 كم شمال غرب مدينة الموصل) في شمالي العراق، وتبرز منه ثلاث قبب مخروطية الشكل، في محيط قرية “بعدري” على بعد 20 ميلا، شرق دير “هرمزد” النسطوري.
وطوال سنين لم تدل هذه الصورة لمعنى عند الأطفال، لكنها اليوم تبدو اكثر رسوخا في ذاكرتهم وهم يتابعون عبر وسائل الميديا ابشع عملية نزوح في العقود الاخيرة للناس نحو الجبال والوديان.ويشيع اعلام ” داعش” ان من واجبه قتل “الكفار” إذ نفّذ بموجب ذلك، عمليات تهجير واعدام فردية وجماعية بحق الايزيديين وافراد اقليات اخرى، ما ادى الى فرار الكثير من ابناء الاقليات الدينية والطائفية  من  مصائد الموت التي نصبها الارهابيون. وتحدث ناشطون عن ان ارهابيي “داعش” اعدموا العشرات من   النساء والرجال والشباب في قرية كوجو الايزيدية بالقرب من سنجار .

بين هجرتين

وبين هجرة حسن منذ نحو عقد ونصف من الزمن الى أوروبا، وهجرة مراد قبل نحو اسبوع، تاريخ من نكبات لهذا الاقلية الدينية في الشرق الاوسط التي فرّت في اصقاع الارض، تدفعها غريزة البقاء وحب الحياة.
واجتاح مقاتلو ” داعش” المدججّون بالسلاح والقسوة والارهاب، والمجرّبون في حروب العصابات مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، واقام مقاتلوها حفلات تعذيب وقتل وقطع رؤوس لأفراد من الاقليات والخصوم الذين اعترضوا على اساليبها الدموية وبطشها.
ويعترف حسن ان “نكبة التهجير القسري الحالية ليست بجديدة، بل هي حلقة في مسلسل اضطهاد الاقليات لاسيما الايزيديين من قبل الجماعات التكفيرية  في العراق منذ 2003 “.
ومن جانب آخر، فان حسن، الذي يعمل ساعيا للبريد في مدينة “والرة” في جنوب براري هولندا الخضراء، يؤكد انه “استشعر الخط مبكرا منذ نحو عشر سنوات وقرر الهجرة”، مشيرا الى ان هذه “الطائفة مضطهدة من قبل بيئة اجتماعية ودينية يسودها التطرف والفهم الخاطئ للدين”.
واستدرك “على رغم الوجود التاريخي لهذه الطائفة في العراق، الا ان افرادها اجبروا على مزاولة المهن البسيطة ولم تتح لهم فرص المشاركة الاجتماعية والسياسية الفعلية منذ بداية تأسيس الدولة العراقية في 1921″.
وفي انقياد فطري، يتذكرّ حسن الذي اكمل دراسته في التاريخ في نهاية ثمانينيات القرن الماضي في جامعة الموصل شمالي العراق، ، رواية ” The Last of the Mohicans” لجيمس فينيمور كوبر، حيث يتهدد قبيلة موهيكانس الانقراض النهائي”.ويستدرك في الحديث “هذا هو قدر الايزيديين الان اذا لم يسعفهم المجتمع الدولي”.
وفي وضع كهذا حيث الاطفال لا يجيدون اللغة الام، وعوائل نزحت للتو من العراق، وجد حسن نفسه “ترجماناً” بين جيلين.
وتظهر وسائل الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي، صورا من قلب الحدث في العراق إذ تجري عمليات صلب وضرب أعناق وقطع أيدي، فيما نشرت صحيفة  “أر. دي” الهولندية حوارا مع الهولندي من أصل عراقي ايزيدي ، خالد تل،  روى فيه تاريخ الطائفية وجذور اعتقاداتها الدينية.

شعيب .. رحلة الموت

ومن مدينة “ديبك” في جنوبي شرق تركيا، حيث نحو 95 في المئة من سكانها من الارثذوكس و 5 في المئة من الايزيديين انطلقت هجرة أسرة كامل شعيب التي وصلت بأمان الى بلجيكا قبل نحو اسبوعين.
وفي أجواء من القلق المشحونة بالتمنيات، يكثّف شعيب اتصالاته مع الايزيديين في بلجيكا والمانيا والذين جمعوا له المال اللازم لرحلته عن طريق التهريب.
ولم تكن رحلة شعيب سهلة، وهو يعبر الجبال والوديان والغابات عبر اوكرانيا وبولونيا حتى وصل بأمان، لكنه يؤكد ان “الصعاب والموت في الطريق أسهل من سبي النساء”.
واذا كانت التقارير تشير الى سبي نحو ستمئة امرأة ايزيدية على يد افراد جماعات مسلحة ، فان شعيب يؤكد انه استمع بنفسه لنساء وصلن الى تركيا، رَوَيْن  قصصا عن “أغرب سبي في تاريخ البشرية”. وفيما فر أبناء الأقلية الايزيدية من بطش   متشددي تنظيم “الدولة الإسلامية” ، فإن مصير التركمان،  ثالث أكبر جماعة عرقية في العراق بعد العرب والأكراد،  هجروا قسريا من مساكنهم في تلعفر ومناطق أخرى.
وخلال الشهرين المنصرمين قطع الآلاف منهم مئات الكيلومترات إلى العاصمة  العراقية ومناطق أخرى آمنة ، فتكدسوا في مدارس يديرها متطوعون وجمعيات خيرية دينية بمساعدة الحكومة.
وقال سليم ساهي، وهو متطوع يبلغ من العمر 48 عاما ويدير مدرسة، إن “الأطفال شعروا بالذعر لدى رؤية طائرات الهليكوبتر تحوم فوق رؤوسهم”، وأضاف “لو كنت رأيت الوضع عندما جاؤوا، النساء والأطفال.. الأوساخ والطين، كانوا يعانون”.

معبد في أوروبا

الايزيدي فاروق سعد الذي يقيم في المانيا منذ عقدين، يشير الى ان نحو ستين الف ايزيدي يعيشون في المانيا، وبأعداد اقل في الدول المجاورة مثل هولندا وبلجيكا وفرنسا، والكثير منهم هاجر في تسعينيات القرن الماضي ابان فترة الحصار الاقتصادي على العراق.
وفي مجتمع اوروبي متسامح ، يفكر الايزيديون في بناء معبد لهم في سعي منهم الى ممارسة طقوسهم الدينية التي اشتهروا بها في معبد “لالش” في شمال العراق.
غير ان سعد يعترف بان مثل هذا العمل لا يواجه نقص الاموال فقط، بل رفْض المرشدين الدينيين الايزيديين في شمال العراق لإقامة أي رمز ديني او معبد ينافس المعبد الاصلي، باعتباره مقرا للمجلس الروحاني للديانة الإيزيدية في العالم.
ويستدرك سعد “الزعماء الروحانيون للطائفة يحرصون على ان تظل فريضة الحج الإيزيدية محصورة  في  (لالش)، حيث يحج الايزيديون مرة واحدة خلال حياتهم على الأقل، ويستمر مكوثهم هناك لعدة أيام”.
وفي حضور سبعة من الايزيديين شرع سعد بالصلاة في بهو البيت، فيما راح الاطفال الذين يجيدون الإنجليزية والألمانية والهولندية وقليلا من الآرامية والكردية ، يتحاورون فيما بينهم، و يراقبون المشهد عن كثب.
وفي نهاية الطقوس، وزّع سعد صورا طُبعت بعناية لقباب الايزيديين في جبل “لالش”، وهو المكان الذي استقرت فيه الملائكة، حسب الميثولوجيا الايزيدية.
يقول سعد “الاطفال اندمجوا في المجتمع الاوروبي لكنهم يعرفون انهم ايزيديون وقد تم ختانهم، اما ابني الكبير الذي يدرس في الجامعة فقد زار شمال العراق قبل ثلاثة اعوام والتقط صورا جميلة للطرق المتعرجة التي توصل الى جبل شيخ ئادي و جبل لالش “. .

طائفة استثنائية

ولم يكن الايزيديون يمثلون طائفة استثنائية في بلاد متعددة الطوائف والمذاهب والقوميات عاشت منذ مئات السنين في ود وسلام ووئام، حتى اذا استفحلت الفتن الطائفية والقومية كان لهم النصيب الاكبر كذلك.
وبطبيعة الحال، فان صعود اخبار الطائفة الى واجهة الاحداث، ازاح الكثير من الجهل عن تاريخ ومعتقدات  الايزيديين.
وفي هذ الصدد يشير الباحث الاجتماعي رزاق هادي الى ان “الكثير من الناس  تتملّكه مزاعم خاطئة حول ديانة الايزيديين لان الاعلام والمناهج الدراسية تغفل الخوض والتعريف بها”.
ويقول هادي الذي درس تاريخ الطوائف والاديان في الشرق الاوسط ان “الايزيديين يجلّون الشيخ عدي بن مسافر الأموي (1075ـ 1162) ويعتبرونه قديس طائفتهم، و مبادئه الصوفية تأثرت بتعاليمهم واختلطت مع الزرادشية”.
واردف “توفي عدي ودفن في لالش في جبال سنجار حيث عاش منعزلا وزاهدا عن الدنيا ، فيما يعتبره الايزيديون نبيا وحاضراً مع آدم في الجنة”.
ان طائفة دينية بهذا العدد حيث يقدر عدد افرادها نحو النصف مليون فرد ويزيد، تتشتّت في بقاع العراق والدول المجاورة واغلب افرادها يفكر في الهجرة الى أوروبا والدول الغربية الاخرى، تضع العراقيين امام مسؤولية تاريخية في ابقاء بلدهم متعدد الطوائف، غني بالأديان والمذاهب كما عرف عبر
التاريخ.
وبحسب سعيد راضي الذي شارك في تظاهرة للايزيديين نظّمت في المانيا الاسبوع الماضي، احتجاجا على القتل والتهجير الذي يتعرضون له، فان “الفرصة مازالت سانحة لكي يثبت العراقيون انهم اوفياء لأفراد طائفة عاشت بينهم لمئات السنين، عبر الوقوف بوجه سبي (داعش) للنساء وتهجير العائلات، والتعاون مع الجيش والقوات الامنية ورص صفوف العشائر في مناطق النزاع على طريق طرد الارهابيين والجماعات المسلحة من ارض العراق”.

عدنان أبوزيد