الرئيسية » دولي - تقارير » سياسة أوباما الخارجية.. تحديات صعبة على أكثر من حلبة

سياسة أوباما الخارجية.. تحديات صعبة على أكثر من حلبة

حتبدأ الأسبوع الماضي بكسر الحصار الذي كان مضروباً على جبل سنجار في العراق، بفضل الضربات الجوية الأميركية، وانتهى بقطع رأس الصحافي الأميركي جيمس فولي في سوريا، وتجدد الاعتداء الروسي في أوكرانيا. ولكن التزامن النسبي بين النجاح في الحالة الأولى والإخفاق في الحالة الثانية، شكّل مناسبة لتوجيه الانتقادات لسياسة الرئيس أوباما الخارجية، وزاد من تأجيج النقاش حول رؤيته للعالم.

وقد جدد منتقدو أوباما انتقاداتهم لسياسته الخارجية التي يقولون إنها تقوم على الانسحاب من العالم الخارجي، مثلما جسّد ذلك سحب القوات الأميركية من العراق قبل ثلاث سنوات، وغياب تحرك مباشر في سوريا، ومقاربة تقوم على سلاح الاقتصاد أولاً لدفع الجيش الروسي بعيداً عن أوكرانيا. وفي المقابل، يجادل داعموه بأن مقاربته تنسجم مع استراتيجيته التي تروم إعادة الولايات المتحدة -عقب حروب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر- إلى سياسة خارجية مبنية على الانخراط الاقتصادي والقوة المرنة بدلاً من التدخل العسكري والقوة الخشنة. غير أن السؤال هو عما إنْ كان هذا يناقض التعهد الذي قطعه على نفسه خلال المحاضرة التي ألقاها بمناسبة فوزه بجائزة نوبل للسلام في 2009 حين تحدث عن: «مواجهة العالم كما هو»، وليس كما يريد أن يكون.

 

وفي هذا السياق، يقول جون ألترمان، نائب الرئيس في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن: «لقد كان (أوباما) يعتقد أنه يستطيع تغيير الاتجاه بسهولة أكبر، وأعتقد أنه كان يظن أن العالم سيستجيب لرغباته بشكل أكبر مما أبداه من استجابة حتى الآن»، مضيفاً أن أوباما «يواجه الآن الانتقادات لأنه إذا كانت إدارة بوش قد انخرطت في حرب اختيار في العراق، فقد انكب هو على سلسلة من المناوشات التي تدخل في إطار رد الفعل، وليست من اختياره».

لقد كان أوباما يريد طي صفحة أميركا الحادي عشر من سبتمبر، حيث تعهد بإنهاء وضع «الحرب الدائمة» في البلاد، وهذا لم يكن يعني تصفية تركة الهجمات فحسب، ولكن أيضاً إقناع الحلفاء القلقين في أوروبا والشرق الأوسط بأن واشنطن لا تنوي الانسحاب من العالم بعد ما يزيد على عقد من الحرب. وبدلاً من العمليات الواسعة لنشر الجنود في الخارج، اعتمد أوباما على عمليات أصغر لإدارة العديد من النزاعات والحروب التي اندلعت خلال رئاسته، وليس تسويتها. ولعل محاولة إنقاذ «فولي» من معسكر يقع في عمق التراب السوري في وقت سابق من هذا العام تمثل أحدث مثال على تلك المقاربة.

ولكن صفة عمليات «أصغر» لم تُترجم إلى سلام أو نفوذ أميركي أكبر. فبعد أن قام بسحب الجنود من العراق مع إعادة انتخابه، يشرف أوباما الآن على عملية عسكرية لحماية المدنيين العراقيين من تهديد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتأمين الموظفين الأميركيين في كردستان العراق، وتقديم النصح والمشورة للجيش المدرب أصلاً من قبل الولايات المتحدة. ذلك أن ترك العراق تحت هيمنة تنظيم تبرأت منه «القاعدة» نفسها لشدة تطرفه وتعصبه يمكن أن يلحق ضرراً بالغاً بتركة أوباما السياسية إلى الأبد باعتباره الرئيس الذي أنهى الحرب -كما أنه سيترك أيضاً لمن سيخلفه أمناً قومياً في حالة صعبة.

وكان تنظيم «الدولة الإسلامية» خرج من الحرب الأهلية السورية وعبر الحدود إلى العراق، ما دفع بعض صناع السياسات المدنيين والعسكريين الأميركيين إلى اعتبار الحربين صارتا حرباً واحدة. كما أنه من المعلوم أن أوباما قد دعا إلى وضع حد لنظام الأسد قبل سنوات، ولكن هدفه الرئيس كان القضاء على مخزون الأسلحة الكيماوية الذي يمكن أن يُستعمل ضد أهداف أو حلفاء تابعين للولايات المتحدة في حال تمكنت تنظيمات متطرفة من الاستيلاء عليه. ومن هنا، فإن السؤال الذي يتعين على البيت الأبيض والبنتاجون التعاطي معه هو ذاك المتعلق بالطريقة الأفضل لوقف المكاسب التي حققها تنظيم «الدولة الإسلامية» -في غياب خيار نشر قوات على الأرض الذي استبعده أوباما أصلاً.

يقول النائب آدم سميث من واشنطن، وهو الديمقراطي الأرفع مستوى في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب: «إن احتواء الخطر هو التحدي الكبير الذي يواجه فترة العامين ونيف المتبقية من رئاسة أوباما».

ومن جانبه، قال «بن رودز»، نائب مستشار الأمن القومي، الأسبوع الماضي: «إن العراق وسوريا يندرجان ضمن الهدف المتمثل في منع تسرب تهديد الإرهاب من خارج الولايات المتحدة»، مضيفاً «إن ذلك هدف أساسي». ولكنه أيضاً أوضح أن أوباما لم يُعِد النظر في آرائه ومواقفه السابقة من أن العراق -وأفغانستان- يجب أن يكون مسؤولاً بشكل رئيسي عن أمنه الخاص. ولئن كان أوباما ومستشاروه يرون في تحركاته انسجاماً وتناغماً، فإن محللين ومراقبين آخرين يرون الأمر بطريقة مختلفة. وفي هذا السياق، قال السيناتور الجمهوري جون ماكين، لصحيفة «أريزونا ريبابليك» التي تصدر من ولايته: «لقد تجاهل هذا الرئيس التهديد لفترة طويلة من الوقت، والآن، بدأنا ندفع الثمن»، مضيفاً «كلما تأخر (أوباما) وتصرف على نحو تدريجي، كلما تكيفت (الدولة الإسلامية) وأصبحت أكثر صعوبة».

ويزيد أوباما من حالة الحيرة والارتباك، حيث يلجأ بين الحين والآخر إلى عبارات واستعارات غامضة وفضفاضة لتفسير سياسته الخارجية. بل حتى وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون قالت مؤخراً إن عبارة «لا تفعلوا أشياء غبية» التي ما فتئ الرئيس الأميركي يرددها باستمرار (وباتت بمثابة أحدث قاعدة له في السياسة الخارجية) لا تمثل «مبدأ منظِّماً».

وقال أوباما مؤخراً لتوماس فريدمان، كاتب العمود في صحيفة «نيويورك تايمز» إنه تعلم درساً مهماً من التدخل الذي قادته الولايات المتحدة في ليبيا عندما لم تقم واشنطن وحلفاؤها بأشياء أكثر، بعد موت معمر القذافي، لإعادة بناء هذا البلد الذي بات الآن ساحة لتناحر المليشيات المتنافسة. والآن، عندما يفكر في إمكانية التدخل هناك، صار دائماً يسأل: «هل سيكون لدينا جواب لليوم التالي؟»، كما يقول.

ولكن في الوقت نفسه، قال أوباما أيضاً إنه لم يندم على التدخل في ليبيا، وهو ما يثير أسئلة حول السبب الذي جعل ليبيا تستحق عملاً عسكرياً أميركياً، في حين أن سوريا لا تستحقه!.

يرى ديفيد كرايمر، المسؤول رفيع المستوى بوزارة الخارجية الأميركية في عهد إدارة بوش ورئيس مؤسسة «فريدوم هاوس»، أن: «أوباما اتخذ قرار عدم التدخل (في سوريا) وعدم تقديم الدعم الذي كانت تطلبه المعارضة المعتدلة»، مضيفاً «إن مشكلة أوباما هي أنه في كثير من الأحيان يطرح هذه الاختيارات الخاطئة بين عدم القيام بأي شيء وإرسال الكتيبة الثانية والثمانين.. والحال أن هناك درجات ومستويات بخصوص ما يستطيع المرء القيام به في هذا الصدد، ومن ذلك تقديم الدعم العسكري لقوات ينبغي أن ندعمها».

ومن جانبه، يقول آرون ديفيد ميلر، الخبير في قضايا الشرق الأوسط بمركز «ويلسون»، إن التجربة الليبية كانت منخفضة الأخطار بالنسبة لأوباما لأنها حظيت بدعم مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية. ويقول ميلر: «لقد كان الأمر يتعلق بكارثة إنسانية قُلصت إلى درجة، حيث أصبح بإمكان أوباما الشعور ببعض الثقة.. فكان بإمكانه استباق معاناة أو تجنب أو إنقاذ عدد كبير من الناس».

ومما يزيد من تحديات أوباما الآن أيضاً، تصاعد الأزمة في أوكرانيا التي أضرت كثيراً بعلاقات الولايات المتحدة مع روسيا، والحرب في غزة، التي حطمت آمال الإدارة في تحقيق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ويقول مسؤولو الإدارة إن أوباما جازف بالكثير في الحالتين، حيث فرض عقوبات على الزعماء الروس وأرسل وزير خارجيته جون كيري لاستثمار كثير من الوقت في محاولة لرعاية اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني. ولكن مسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأميركية يرون فرقاً كبيراً بين ما يحدث في العراق وسوريا وما يحدث في أوكرانيا وغزة. ذلك أن العراق وسوريا يندرجان ضمن ما يمكن وصفه بالتهديد الممكن للأميركيين، هذا في حين أن حل الأزمتين في أوكرانيا وغزة ينسجم مع مبدأي الديمقراطية والدبلوماسية الأميركيين، إلا أن الأزمتين لا تمثلان تهديداً مباشراً.

وفي هذا الصدد، يقول لورانس كورب، المحلل المتخصص في الأمن القومي الأميركي: «إن الدول لم يعد لديها أصدقاء وأعداء دائمون، بل لديها مصالح دائمة، ولهذا، فإنه من الصعب أن نجد كلمة واحدة تعكس مبدأنا وتشمل وتستوعب كل شيء». وفي النهاية، يمكن القول إن تركة أوباما قد تتميز بموضوع فقد الاهتمام خلال الآونة الأخيرة وسط زحمة الأزمات الجديدة: منع إيران من الحصول على أسلحة نووية.

الاتحاد الاماراتية