الرئيسية » دولي - تقارير » دجلة يوزع موتاً بغدادياً بالمياه المسرطنة بنفايات المصانع

دجلة يوزع موتاً بغدادياً بالمياه المسرطنة بنفايات المصانع

بغداد – خلود العامري / صحيفة الحياة اللبنانية /متابعة SNG-بدا أحمد حسين يائساً وهو يراقب حالة شقيقه الأصغر، محمود. ففي ظهيرة اليوم ذاته، توفي طفلان كانا يتشاركان مع محمود في ردهة الطورائ في مستشفى الصدر شرق بغداد، متأثرين بالمرض نفسه الذي يعاني منه، وهو التسمم الحاد بالمياه الملوثة.

لا يتعلق الأمر فقط، بمياه نهر دجلة الملوثة وبمخلفات مئات المصانع والمصافي وشبكات المجاري وحتى مخلفات المستشفيات التي تشكل مصدر تهديد يومي لحياة عشرات العراقيين، بل يمتد الأمر ليشمل حتى مياه الشفة التي تحمل الموت البطيء إلى أكثر من 7 ملايين مواطن في العاصمة بغداد لوحدها.

امتداداً من شمال بغداد إلى جنوبها يجري نهر دجلة “واهب الحياة” وهو يحمل “الموت بصمت” لأناس تعودوا الحديث عن “الموت بالمفخخات”، حيث يغذي النهر الملوث محطات تصفية غير كفوءة تدفع مياهها عبر آلاف الأمتار لشبكات أنابيب منتهية الصلاحية متداخلة مع شبكات مجارٍ متآكلة، لتكون مصدراً دائماً لأمراض قاتلة.

يؤكد مسؤولون بالمستشفى الذي يستقبل يومياً حوالى 400 طفل مصاب بأمراض تسببها المياه الملوثة، أنهم يسجلون خمس حالات وفاة كمعدل يومي بسبب الإسهال الحاد، بعضها ناجم عن شرب واستخدام مياه الأنهر مباشرة، وبعضها عن شرب المياه الملوثة.

ملوثات بغداد التي أثقلت مياه النهر، امتدت بتأثيراتها الخطرة إلى البيئة الحياتية للنهر والثروة السمكية فيها، بل وإلى مئات الحقول الزراعية الممتدة على ضفتيه والتي تسقى بمياهه الملوثة، لتتسع معه دائرة الخطر بإنتاج محاصيل “ملوثة ومسرطنة” تفتك بالعراقيين.

إلى الغرب في مستشفى مدينة الطب وسط بغداد، تتكرر مشاهد الموت بالملوثات، فبينما كانت أنظار جميل تتجه نحو غرفة العمليات حيث يخضع والده لاستئصال ورم سرطاني انتشر في المثانة، لفظت سيدة مسنة أنفاسها الأخيرة بعد إصابتها بتسمم معوي، فيما كان مرضى آخرون يتلقون علاجات من أمراض ناجمة عن تلوث المياه والبيئة التي يعيشون فيها.

سعد غالب والد جميل، وهو من سكان قرية الفريقات التابعة لناحية النهروان جنوب بغداد، أرجع سبب مرضه إلى المياه: “معظم سكان القرية يشربون مياه دجلة الملوثة بمخلفات المصانع، والتلوث يزداد كل يوم، بينما الحكومة تتفرج علينا من دون حراك ونحن نموت”.

2300 مصنع ملوِّث لدجلة

وفق مسؤولين في بيئة بغداد، فإن أكثر من 2300 مصنع ومعمل في العاصمة وضواحيها ترمي مخلفاتها في نهر دجلة، ليحمل الأمراض لسكان عشرات القرى الزراعية جنوباً، والتي تزود بغداد بجزء من حاجاتها من الخضروات التي عادة ما تكون ملوثة.

المياه الملوثة لا تنحصر في جنوب العاصمة، وفق حسن، ابن السيدة المسنة التي توفيت بمستشفى مدينة الطب الذي أكد أن الحال هي ذاتها في قريته «أبو السماق» في ناحية التاجي شمال بغداد «هناك لا بديل لنا عن مياه النهر، فنحن والحيوانات التي نربيها نشرب من المياه ذاتها».

الخطر الذي تحمله المياه الملوثة، لا ينحصر بالقرى والمناطق التي يعتمد سكانها على الأنهار في تلبية احتياجاتهم، بل يمتد إلى الكثير من المناطق المخدومة بمياه الشبكة العامة في حدود العاصمة.

ويستقبل مستشفى مدينة الصدر، مئات الحالات المرضية الناتجة من المياه الملوثة كالتسمم والإسهال بالنسبة للأطفال، وأمراض الكلى والمجاري البولية بالنسبة للكبار، وفق الدكتور رضا ناصر عناد مسؤول شعبة الطوارئ: «بعض الحالات يتطلب علاجاً من طبيب مختص ورعاية صحية في المستشفى، وبعضها يحتاج إلى تدخل جراحي».

ويؤكد عناد أن المستشفى «يسجل خمس حالات وفاة كمعدل يومي بسبب الإسهال الشديد الناجم عن تلوث المياه»، منبهاً إلى أن «الإسهال عندما يستمر لثلاثة أيام فغالباً ما يفقد المريض حياته»، مبيناً أن الطفل المصاب بالإسهال ليوم واحد، يحتاج إلى أسبوع من الرعاية الصحية في المستشفى.

ولا تتوقف مشكلات تلوث المياه عند الإسهال واضطرابات الأمعاء والتسمم والزحار وأمراض الكلى التي يؤكد الدكتور هاشم علي مختص أمراض الكلية تزايدها حتى لدى الصغار، بل تتعداها إلى الأمراض الجلدية مثل الطفح الجلدي لدى الأطفال وحبة بغداد والجذر المائي والتي يؤثر بعضها بصورة مباشرة في حياة المصابين.

وزارات تلوث وأخرى تتفرج

تقر وزارة البيئة بالوضع الكارثي لنهر دجلة، بوجود أكثر من ألفي مصنع خاص وحكومي ترمي مخلفاتها مباشرة إلى النهر، إلى جانب مخلفات شبكات الصرف الصحي غير المعالجة، وبين المنشآت الملوثة الكبيرة المنشآت الحكومية المنتجة النفط والكهرباء والزيوت، والتي تعجز الوزارة عن وقفها وتكتفي بإنذارها. ويؤكد مدير بيئة بغداد المهندس مثنى حسن، أن المديرية أغلقت خلال عام وتسعة أشهر فقط، حوالى 175 معملاً ومصنعاً ومشروعاً خاصاً في بغداد، فيما اكتفت بإنذار عشرات أخرى من المشاريع لتسببها في تلويث دجلة.

ذلك الرقم الصغير مقارنة بعدد المعامل الملوثة للنهر «يكشف عجزاً حقيقياً للسلطات عن إنهاء مصادر المشكلة التي تهدد حياة آلاف العراقيين» وفق خضير جاسم، وهو أحد المتابعين الواقع البيئي لنهر دجلة، يقول: «الناس يموتون وبيئة دجلة تسوء كل يوم، والجهات المعنية من بيئية أو سياحية أو زراعية، تكتفي بتوجيه الإنذارات للمنشآت الأكثر تلويثاً للنهر في إجراء بلا قيمة».

ويقر حسن بتلك الحقيقة: «نعم، هناك منشآت لا نستطيع إغلاقها، كمصفى الدورة الذي نكتفي بإنذاره. إذا أغلقنا المكان، فإن بغداد ستغرق في الظلام»، مؤكداً أن «البقع الزيتية أحياناً تتسرب إلى نهر دجلة عندما تحدث أعمال خارج السيطرة».

ويكشف حسن عن «عطل أو عدم كفاءة» وحدات المعالجة في معظم المصانع والمنشآت الحكومية لقدمها، ما يعني صرف آلاف الأمتار المكعبة يومياً من الملوثات الكيماوية الخطرة من دون معالجة إلى النهر، بدءاً بمنطقة التاجي شمال بغداد وانتهاءً بحي الوحدة جنوباً.

… ومستشفيات تلوث النهر

ويرى باحثون في مجال البيئة أن المؤسسات الحكومية تشكل الملوث الأكبر لبيئة دجلة مع عدم القدرة على محاسبتها، فوزارة البلديات تقوم بصرف مياه المجاري إلى دجلة في أطراف بغداد، فيما تشكل منشآت وزارة النفط بما فيها المصافي، مصدراً كبيراً للتلوث.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فوزارة الصحة تشكل مستشفياتها مصدراً خطراً للتلوث، كتصاريف مدينة الطب التي تمثل أكبر مجمع طبي في بغداد، والتي تصب في النهر من دون معالجة.

مسؤول بإعلام وزارة الصحة أكد تلك المعلومة، وقال إن الشركة التركية التي تعاقدت معها لتحديث وحدة المعالجة الرئيسية في مدينة الطب، تركت العمل منذ عام 2010، وأن المدينة الطبية تصرِّف مياهها الثقيلة إلى شبكة مجاري تنتهي إلى نهر دجلة.

ولا ينفي مدير دائرة الصحة العامة في وزارة الصحة حسن هادي، قيام الكثير من مستشفيات العاصمة بطرح مخلفاته السائلة في النهر من دون معالجة لعدم وجود وحدات معالجة، أو لتعطلها بسبب قدمها، مبيناً أنها تكتفي «بعزل النفايات الصلبة»، مستدركاً «حالياً الكثير من المستشفيات لديه وحدات معالجة تعمل في شكل اعتيادي، ولدينا خطط لتشييد وحدات في جميع المستشفيات».

من دون معالجة

تبرر وزارة البلديات قيامها بصرف مياه المجاري إلى دجلة من دون معالجة، بمحدودية إمكاناتها وتخلف منظومة شبكاتها ومنشآتها.

ويعترف المهندس عادل كاظم العتابي مدير دائرة المجاري في أمانة بغداد، بأن جميع وحدات معالجة مياه المجاري قبل طرحها في النهر «قديمة وبعضها معطّل»، وأن نسبة العاملة منها لا تعالج سوى 30 في المئة من نسبة المياه الثقيلة، أما الباقي فيذهب إلى النهر من دون معالجة، مبيناً أنهم ينتظرون إكمال مشاريع تحت التنفيذ «لحل جزء من المشكلة».

وتقدر جهات بيئية ما يطرح يومياً في نهر دجلة من مياه ثقيلة من دون معالجة بما يقارب المليون ونصف المليون متر مكعب، وهي كميات كافية لجعل مياه دجلة غير صالحة للاستهلاك.

ويكشف العتابي أن أكثر من 15 في المئة من أحياء بغداد المسكونة غير مخدومة بمشاريع المجاري في وقت «تضم بغداد 515 محلة، منها 487 مسكونة في شكل شبه كامل والبقية نسبة البناء والسكن فيها محدودة»، لافتاً إلى وجود مناطق غير مخدومة كونها تقع خارج التصميم الأساسي، مؤكداً أن معالجة القضية بمد شبكات مجارٍ، ومن ثم وحدات معالجة لمياهها «ليست سهلة وتحتاج إلى سنوات».

وتظل نسبة 15 في المئة التي ذكرها العتابي محل شك، حيث يرى الدكتور حسن الجنابي الذي نشر دراسات حول واقع بغداد البيئي، أن نسبة تغطية خدمات المجاري في بغداد لا تتجاوز 75 في المئة.

ولا تتوقف المشكلة عند عدم وجود شبكات مجارٍ في حوالى 25 في المئة من مناطق بغداد السكنية، بل تتعداها إلى تعطل جزء كبير من الشبكات، حيث يبين العتابي تجاوز الشبكات في الكثير من المناطق عمرها التصميمي المقدر بـ25 سنة: «يجب تغييرها، وهو ما قمنا به بنسبة 40 في المئة في المناطق القديمة، ونطمح لأن ننتهي من تجديد باقي الشبكات في السنوات الخمس المقبلة».

وتنتهي معظم المياه الثقيلة في المناطق غير المخدومة كما في المناطق التي تعاني من قدم شبكاتها إلى النهر مباشرة.

إلى جانب ذلك تعاني محطات معالجة المياه في الرستمية والبوعويثة، وهما الموقعان الرئيسيان لمعالجة مياه مجاري بغداد، عجزاً كبيراً في عملها يقدره خبراء بما يزيد على 100 في المئة، وهو معدل سيتصاعد في السنوات المقبلة ليزيد عن مليون ونصف المليون متر مكعب من المياه في حال عدم إضافة وحدات معالجة جديدة، خصوصاً مع تزايد عدد السكان ومد شبكات مجارٍ في المناطق غير المخدومة، ما يعني رمي كميات مضاعفة من مياه الصرف إلى النهر لتزداد معدلات التلوث.

لا تصلح للاستخدام البشري

للتحقق من نسب التلوث في مياه دجلة، قامت كاتبة التحقيق بتحليل عينات من مياه النهر أخذت من ثلاث مناطق مختلفة وتحت إشراف خبير في تحليل المياه، العينة الأولى أخذت من نقطة دخول دجلة حدود العاصمة في ناحية الطارمية، والثانية من وسط بغداد عند منطقة الباب المعظم، أما الثالثة فمن نقطة خروج النهر من المدينة بمنطقة المدائن.

وأكدت التحاليل أن نسب التلوث (الفيزيائية والكيماوية والأحيائية) والملوثات من المعادن الثقيلة والكبريتات تتجاوز المعدلات المسموح بها من منظمة الصحة العالمية في المواقع الثلاثة التي أخذت منها، لكنها كانت أكبر في وسط المدينة وعند خروج النهر من بغداد.

تلك النتائج وصفها معنيون بأنها «تثبت عدم صلاحية مياه دجلة للاستخدام البشري».

يستهلك سكان بغداد يومياً حوالى 3 ملايين و400 ألف متر مكعب من المياه المنتجة في المحطات التي تمر عبر أكثر من سبعة آلاف كيلومتر من الأنابيب الناقلة، والتي يفترض أن تصل إلى جميع مناطق بغداد، وهي صالحة للاستهلاك البشري.

لكن تحاليل عينات أخذتها كاتبة التحقيق من تسع محطات رئيسية في بغداد هي (الطارمية، المدائن، القادسية، الصرافية، العطيفية، شرق القناة، الرشيد، الدورة، الوحدة) أظهرت نسب تلوث أعلى من المسموح بها من منظمة الصحة العالمية ومن محددات جهاز التقييس والسيطرة النوعية العراقي. كما أن التحاليل التي أجريت على عينتين مأخذوتين من منزلين على بعد كيلومترين من أفضل محطة (الطارمية عند مدخل بغداد) من ناحية نتائج فحص العينات، وأسوأ محطة (الوحدة)، أثبتت زيادة إضافية في نسب التلوث، ما يشير إلى وجود مشاكل في الأنابيب الناقلة.

ويورد مدير مركز بحوث البيئة في الجامعة التكنولوجية الدكتور عبدالحميد العبيدي، أسباباً أخرى لتلوث المياه الواصلة إلى المنازل، كتلف الشبكات الناقلة وانتهاء عمرها الافتراضي، واعتماد السكان على استخدام المضخات في المنازل والتي تعمل على سحب المياه في شكل أسرع داخل الأنابيب، بالتالي سحب الملوثات معها، إضافة إلى الربط غير القانوني على شبكات المياه، ما يؤدي أحياناً إلى اختلاط المياه الثقيلة بمياه الشرب.

وأقر المهندس عمار موسى كاظم مدير مياه بغداد، بتجاوز شبكات المياه أعمارها التشغيلية، مبيناً أن دائرته «استبدلت حوالى 85 في المئة منها ضمن التصميم الأساسي لبغداد، وهناك خطة لاستبدال المتبقي خلال ثلاث سنوات».

لكن المشكلة التي شخصها كاظم، لا تقع ضمن التصميم الأساسي القديم للمدينة فقط، بل تمتد إلى أطرافها أيضاً التي تعتمد على أنابيب غير نظامية تفاقم مشكلة التلوث التي تهدد صحة السكان.

مدير بيئة بغداد مثنى حسن الذي أشار إلى أهمية تجديد الشبكات، نبه إلى أن «الشبكات التي تم إنشاؤها حديثاً لم تنجز وفق المواصفات».

اضف رد