الرئيسية » خبر مميز » ميازاكي المخرج الياباني الذي أسر العالم برسومه المتحركة

ميازاكي المخرج الياباني الذي أسر العالم برسومه المتحركة

فاجعة هيروشيما كانت إسدالاً لستار الحرب العالمية الثانية، هذه الكارثة تجاوزت الأجساد اليابانية وأرخت بظلالها على الثقافة اليابانية بأشكالها كافة، الأثر الفاجع لهيروشيما ولّد أثراً مضاداً يوازيه، أعاد حضور الأسطورة والثقافة اليابانية، ليجسدها بشكل مغاير ضمن يابان ما بعد الحرب المفجوعة بالويلات، والتي أدركت معنى الحرب أكثر من غيرها لتتكشف دلالات جديدة للثقافة اليابانية القديمة ضمن سياق تاريخي مختلف، هذا الأثر تجلى فنياً عبر عظماء أمثال كيروساوا، وكذلك هاياو ميازاكي المؤلف، المخرج والمنتج السينمائي (في مجال الرسوم المتحركة)، الذي يعتبر أسطورة فنية، وأيقونة للثقافة اليابانية.
عابر للثقافات نال ميازاكي التفافا جماهيريا عالميا حوله ويعتبر نتاجه عابراً للثقافات فالكثير تحدث عن أفلام ميازاكي باعتبارها رمزاً للثقافة الإنسانوية، وتيار داعياً لنبذ العنف و إحلال الحب والسلام لكن يبقى السؤال، هل هذه التوصيفات كافية لجعل ميازاكي أسطورة سينمائية؟ البعض يتحدث عن عظمة ميازاكي عبر أداته الفنية “الرسوم المتحركة”، باعتبارها مساحة حرة للخيال، كما أنها تمنح مجالاً لا محدودا للأحداث التي يُبنى عليها الفيلم، لكن هل يكفي رسم قصر متحرك أو فتاة تمشي على رصيف من الطيور لتبيان عظمة ميازاكي، وبالتالي هل يمكن أن يتساوى ميازاكي مع المخرج الكندي فريديريك باك، أو مع مخرجي وولت ديزني، والسؤال، ما هو أثر ميازاكي الخاص، وأين تبدو عظمة فنه؟ ولد ميازاكي عام 1941 في إحدى ضواحي طوكيو، وحاز على بكالوريوس في العلوم السياسية والاقتصادية أثناء دراسته بدأ حياته الفنية -1961- (قبل تخرجه من جامعة “غاكوشاين” بعامين)، في شركة “توي انميشن” كمكمل رسومات وكان اقتراحه بتغيير نهاية فيلم “رحلات غوليفر فيما وراء القمر” 1966 نقطة تحول في مسيرته التي بدأت من فيلم ” لوبين الثالث-قلعة كالجيسترو”والذي كان مسلسلاً من 13 حلقة قبل تحويله إلى فيلم، و انتهاءً بفيلم “الرياح تشتد”، فلكل فيلم رؤية منفصلة رغم بصمة ميازاكي الواضحة، لكن من الممكن الحديث عن بعض الملامح العامة في سينماه وأعماله المتنوعة. فضاء الأسطورة تحضر الأسطورة اليابانية في سينما ميازاكي ضمن سياق تاريخي جديد هو المجتمع المعاصر إذ أن زمن الحدث في أفلامه هو زمننا هذا، وحضور الأسطورة يضفي عليها معنى جديداً في علاقتها مع شخصيات معاصرة تشبهنا إلى حد كبير، فالأبطال لا يدخلون أتون صراع مع الأسطورة، ولا تصيبهم الدهشة من مواجهتها، هم ببساطة يتآلفون معها باعتبارها حقيقة تجلت الآن، إذ دائماً يحضر سبب وجودها المنطقي ويتآلف الأبطال معها باعتبارها حدثا ينبع من إيمانهم بضرورتها، كحال روح الغابة في فيلم “توتورو” أو موقف “تشيهيررو” من مدينة الأرواح في فيلم “المخطوفة”.
حضور الأسطورة بهذا الشكل وعلاقة الشخصيات بها يفرض حالة تلقِ خاصة لدى المشاهد الذي يشعر بضرورتها، في ظل يابان ما بعد الحرب المنحلة نسبياً في الثقافة الأميركية، حيث أن استدعاء ميازاكي للأسطورة و الثقافة اليابانية، هو استدعاء للحل الذي بواسطته يمكن تبديد آثار الحرب وإزاحة صورة الإنسان المهدم للحضارة. يمكن الحديث عن ثنائية الهامش والمركز عند ميازاكي فالأبطال في الغالب مهمشون ليسوا بالمشاهير، منحدرون من طبقة وسطى ومن عوائل عادية، لكن إيمانهم بالأسطورة وتأقلمهم معها سيجعلهم أبطالا، كما الطفل في فيلم “بونيو”، الذي يقع في حب حورية أو الطفلتان الشجاعتان في فيلم “توتورو”
قد تكون أوروبا أفرزت تيار العبث كموقف من انهدام صورة الإنسان الحضاري بعد الحرب العالمية الثانية، لكن اليابان وعبر ميازاكي استدعت الأسطورة اليابانية كسبيل لمواجهة سقوط الإنسان، فحضور الأسطورة كحدث ضمن سياق تاريخي منطقي ليس الحل الوحيد عند ميازاكي، إذ نراه في المقابل يؤسس في بعض أفلامه حالة تلقّ و فرجة جديدة مبنية على افتراض واقع مغاير، كما فيلم “كيكي عاملة التوصيلات”، الذي يضعنا أمام سياق طبيعي لوجود مهنة السحرة في العالم، فالكيفية التي يتم بها طرح الأسطورة أو الغرابة تبدو في تعامل الشخصيات معها المتسم بالتأقلم التام و التقبل. يمكن الحديث عن ثنائية الهامش والمركز عند ميازاكي، فالأبطال في الغالب مهمشون، ليسوا بالمشاهير، منحدرون من طبقة وسطى ومن عوائل عادية، هم مثلنا لكن إيمانهم بالأسطورة و تأقلمهم معها سيجعلهم أبطالاً، كما الطفل في فيلم “بونيو”، الذي يقع في حب حورية أو الطفلتان الشجاعتان في فيلم “توتورو”. كما نراه يعرض المتمردين بوصفهم أبطالاً، فالخروج عن القانون ليس حالة لاأخلاقية، بل هي نبيلة في جوهرها كما “لوبين” اللص المنحدر من سلالة لصوص، و يتمتع بصفات البطل النبيل، كذلك “بورركو روسو” الخنزير الذي يقود الطائرة والخارج عن طاعة القانون، لكن نبله يتضح إثر محاربته قراصنة البحر، الذين أيضاً يتمتعون بصفات نبيلة في نواحي محددة، إذ نرى القراصنة الساعين إلى القلادة في فيلم قلعة السماء مليئين بالتعاطف الإنساني. حالة التمرد وخرق القانون الوضعي تشكل معنى جديدا لمواجهة السلطة القائمة، بالمقابل فإن القائمين على القانون والدولة وأصحاب رؤوس الأموال يعتبرون لا أخلاقيين، ويجسدون حالة صرفة من الشر، كما في فيلم “قلعة السماء” أو فيلم “وادي الرياح”، أو فيلم “لوبين الثالث”. فلسفة لامركزية الإنسان حاضرة في عدة جوانب لدى ميازاكي، الذي يحاول إعادة طرح الصراع بين الإنسان والكون برؤية أخرى، حيث يعرض فشل محاولات الإنسان لإخضاع الطبيعة والكون، بالمقابل يطرح حلاً يتلخص باندماج الإنسان بهذا الكون، وتحوله إلى جزء من هذا الكون لا إلى ندِ له، وربما هذه النظرة تتضح في فيلميه “وادي الرياح” و”الأميرة مونوكي”، الذي يعتبر ملحمة تحكي عن الصراع بين الكون والإنسان. ميازاكي في جبال الألب المكان عند ميازاكي لم يقتصر على اليابان وحدها، أحداث أفلامه تتجاوز نطاق جغرافيا معينا، كما فيلم “القلعة المتحركة”، أو”بوركو روسو- الخنزير القرمزي”، إضافة إلى زمن الأحداث الذي لا يمكن تحديده في بعض الأفلام، كما فيلم “قلعة السماء”، كل هذا صبغ أفلام ميازاكي بالصفة الإنسانوية رغم تشبعها بالأسطورة اليابانية، إضافة إلى أنه يمكن الحديث عن هذا الجانب في أعمال مثل “هايدي فتاة الألب” الذي عمل فيه ميازاكي كرسام مصمم ومنظم للمشاهد، هذا الفيلم تدور أحداثه في سويسرا التي قصدها ميازاكي عام 1973 للبحث عن الإلهام، كذلك سافر عام 1975 إلى إيطاليا والأرجنتين، لإنتاج عمل “ثلاثة آلاف ميل للبحث عن أم-ماركو”. من زاوية أخرى يمكن الحديث عن الشعرية في أفلام ميازاكي، التي تتجلى في تكوين الصورة ذاتها التي تَشحن الفيلم بعاطفة هائلة والرموز المفتوحة، كما في مشهد خروج الطفل والحورية من البحيرة في فيلم “بونيو”، حيث يتقلص القارب الذي كان يقلهم إلى لعبة صغيرة يحملها الطفل تحت إبطه، أو مشهد معرفة “هاكو” بأنه كان روحاً لأحد الأنهار في فيلم “المخطوفة”، وكذلك مشهد مشي “هارو” على رصيف من الطيور في فيلم “عودة القط”، ومشهد قطار الأرواح الذي يسير على المياه في فيلم “المخطوفة”، هذه التكوينات الرمزية الشعرية هي العنصر الأساس في إيصال المعنى للمشاهد عند ميازاكي. فاجعة هيروشيما تركت الأثر الذي تجلى فنياً عبر عظماء أمثال كيروساوا، و هاياو ميازاكي المؤلف والمخرج والمنتج السينمائي في مجال الرسوم المتحركة الذي يعتبر أسطورة فنية وأيقونة للثقافة اليابانية
يرجع البعض تركيز ميازاكي على مشاهد الطيران، باعتبار أن أباه وعمه كانا يعملان في صناعة الطائرات، وبعيداً عن النواحي الشخصية لميازاكي، فإن شخصياته تتمتع بقدرات هائلة على صعيد الجسد تتجاوز القدرات البشرية، فبإمكانها التحليق والقفز من مسافات عالية، هذا كله يوحي بتجاوز الإنسان الشروط المنطقية، وهذا ينطبق على رؤيته للإنسان القادر على تجاوز كل الحدود، واعتباره جزءا من الكون والطبيعة عبر علاقات روحية تجمعه مع عناصر الكون، فتجاوز الإنسان لقدراته يتأسس مع حضور الأسطورة، وكسر كافة القيود المنطقية لخلق واقع جديد ذي شروط خاصة به. لم يكن الحب أو السلام الموضوعة الرئيسية في أفلام ميازاكي إلا أنهما كانا الحل لأي صراع، وبالمقابل فإن ميازاكي طرح العديد من الموضوعات التي ترتبط بالحكاية الخيالية والأسطورة والطفولة، فمعظم الأبطال هم أطفال قادرون على تقبل أي فكرة وأي جديد دون التلوث بآثار المجتمع و القانون. ميازاكي والأوسكار نال ميازاكي الأوسكار عن فيلمه “المخطوفة” عام 2002، كما تم ترشيحه للأوسكار عن فيلمين آخرين هما “القلعة المتحركة” و”الرياح تشتد”، وفي عام 2014 منحت أكاديمية السينما الأميركية جائزة الأوسكار الفخرية لميازاكي تقديراً لدوره في تطوير السينما. عمل ميازاكي في عدة شركات أثناء مسيرته، فبعد عمله في شركة “توي” قدم استقالته مع “إيساو تاكاهاتا” رفيق دربه، وعملا معاً في عدة شركات، ليستقرا في أستوديو “نيبون أنميشن”، بعد ذلك انتقل ميازاكي وتاكاهاتا إلى أستوديو “توب كرافت”، وفي النهاية أسس ميازاكي مع “ياسويوشي توكوما”، وكذلك “تاكاهاتا”، أستوديو “غيبلي” والذي أنتج فيه ميازاكي معظم روائعه، ويعتبر فيلم “الأميرة مونوكي 1997 “، الذي أنتجته الشركة، من أولى أفلام ميازاكي الذي يتم فيه استخدام الكمبيوتر وتقنيات التحريك المتطورة، هذا الفيلم حقق رقماً قياسياً في شباك التذاكر في اليابان، هذا الرقم أسقطه ميازاكي نفسه عام 2001 عبر فيلم المخطوفة (30 مليار ين)، ويعتبر فيلم “قلعة هاول المتحركة” عام 2004 من أهم أفلام ميازاكي على مستوى التقنية الجديدة، ويظهر فيه التقنيات الرقمية الرفيعة والإنتاج العالي الذي بدأ يسيطر على أفلام “غيبلي”، والشركة تتخذ من توتورو (إحدى شخصيات أفلام ميازاكي) شعاراً لها، وقد انضم “غورو” ابن ميازاكي إلى الشركة ليصبح زميلاً لميازاكي وتاكاهاتا والأسطورة الموسيقية “جو هيسايشي”، من هنا يمكن الحديث عن العائلة الفنية باعتبار “أكيمي أوتا” زوجة ميازاكي هي زميلته بالمهنة كذلك، وقد شارك “غورو” -ابن ميازاكي- والده أحد أعماله عندما كتب له سيناريو فيلم “من أعلى تلة الخشخاش”.
تحضر الأسطورة اليابانية في سينما ميازاكي ضمن سياق تاريخي جديد هو المجتمع المعاصر إذ أن زمن الحدث في أفلامه هو زمننا هذا، وحضور الأسطورة يضفي عليها معنى جديدا في علاقتها مع شخصيات معاصرة تشبهنا إلى حد كبير
الرياح تشتد على ميازاكي آخر أفلام ميازاكي كانت “الرياح تشتد” عام 2011، الفيلم تم تلقيه بنقد على المستوى السياسي، وخاصة من طرف الكوريين الجنوبيين، وبعد عرض الفيلم في مهرجان فينيسيا في دورته السبعين أعلن ميازاكي اعتزاله كمخرج. يتحدث ميازاكي عن عظماء أثروا في حياته وفي فنه بالأخص، مثل “كيروساوا” (مخرج فيلم إيكيرو)، وكذلك الروائي لويس كارول (كاتب رواية أليس في بلاد العجائب)، وأيضاً ديانا وين جونز، كذلك فإن فيلم الرسوم المتحركة “حكاية الأفعى البيضاء-1958″ كان بمثابة الشغف الذي دفع ميازاكي للعمل في الرسوم المتحركة، بالمقابل فإن ميازاكي أثر في عظماء آخرين، مثل “بيت دوكتر” و”غلين كين” مخرجا الرسوم المتحركة في ديزني، وكذلك مخرج الأنمي “ماكوتو شينكاي”، وأيضاً مبدع سلسلة ألعاب الفيديو “فاينل فانتسي” هيرونوبو ساكاجوتشي. أكيرا كيروساوا المخرج الياباني، صاحب الرائعة السينمائية “ايكيرو”، يضع فيلم “جاري توتورو” لميازاكي، ضمن أفضل مائة فيلم عبر تاريخ السينما، ويعتبر كيروساوا أن الفيلم كان مبهراً، وأنه أحب كثيراً “النكو باص” (حافلة على شكل قطة ظهرت في فيلم توتورو)، واعتبرها فكرة لا يمكن الإتيان بمثلها، كذلك يقول إنه بكى عندما شاهد فيلم “كيكي عاملة التوصيلات”، يضيف كيروساوا “لأمر عجيب أن كل المواهب الحقيقية التي تمنيتها أن تكون في مجال صناعة الأفلام، ذهبت للرسوم المتحركة، على صانعي السينما أن يعملوا بكل طاقتهم لصناعة فيلم يجعل الأطفال يودون مشاهدته”.
كذلك فإن جون لاسيتير، المخرج في والت ديزني، ومؤسس أستوديوهات بيكسار، الحائز على جائزتي أوسكار، يقول “إن ميازاكي هو أعظم صانعي الأفلام، وأحد أبطالي الخارقين، في بيكسار عندما نواجه مشكلة ما في أحد المشاهد، لا نستطيع حلها، نقوم بعرض أحد أفلام ميازاكي لنعرضها على طاقم العمل من أجل الإلهام، ودائماً تنجح هذه الطريقة، ونخرج مذهولين، إن فيلم “حكاية لعبة” الحائز على أوسكار مدين بالكثير لأعمال ميازاكي”.
ربما لا يوجد طفل عربي إلا و يعرف ميازاكي، الذي أخرج مسلسله الخالد “كونان فتى المستقبل” أو ما يعرف في العالم العربي بمسلسل “عدنان و لينا”، المسلسل مقتبس عن رواية “المد العظيم” لألكسندر كي، المسلسل الذي أنتج عام 1978 وتمت ترجمته إلى اللغة العربية. إذن ميازاكي ليس حالة يابانية، وليس محددا بهيكلية ثقافية، إن فن ميازاكي عابر لأي حدود، هو حالة إنسانية بالمطلق، ورغم استخدام ميازاكي الثقافة اليابانية والتركيز عليها، إلا أنه وضعها ضمن إطار عالمي وإنساني شامل.
العرب