الرئيسية » دولي - تقارير » الاستراتيجية الأميركية: ضرب «داعش» أم إسقاط الأسد؟

الاستراتيجية الأميركية: ضرب «داعش» أم إسقاط الأسد؟

مع انطلاق الحملة الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد «داعش» في سوريا والعراق، يبدو أنها تواجه عدداً من الصعوبات؛ أهمهما انقلاب المعارضة السورية المعتدلة ضدها، ورفض الحليف الأطلسي للولايات المتحدة في المنطقة، أي تركيا، المشاركة الفعالة في المجهود الحربي والمساهمة في التخفيف من وطأة المعاناة التي يكابدها الأكراد حالياً في بلدة كوباني (عين العرب) الحدودية، وهي صعوبات تكشف إلى حد بعيد محدودية الاستراتيجية الأميركية والعقبات القائمة أمامها. فرغم تحذيرات المسؤولين الأميركيين بأن الضربات الجوية ما هي سوى جزء من استراتيجية شاملة قد تمتد على مدى سنوات، إلا أن الاستياء الذي ولده القصف الجوي يهدد بتقويض المجهود برمته، وذلك حسب العديد من المحللين والمتمردين. ولعل جزءاً من هذا الاستياء يرجع إلى بنك الأهداف الذي قصفته الطائرات الأميركية، والذي شمل مرافق متعددة مثل محطة للكهرباء ومخزن للقمح تسيطر عليه «داعش»، لكن الدمار الذي لحق بتلك المنشآت تسبب في نقص المواد الغذائية من جهة وارتفاع أسعارها من جهة أخرى في عموم المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، وهو ما أزعج المواطنين السوريين العاديين أكثر من المسلحين الأفضل تمويناً. بل إن الضربات الجوية انطلقت في بدايتها باستهداف صواريخ كروز الأميركية لعدد من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المعتدلة التي يفترض أنها تحارب «داعش»، فكان أن السوريين الذين طالبون في السابق بتدخل أميركي ضد الأسد بدؤوا ينظمون مظاهرات تندد بالولايات المتحدة وتحرق علمها.
هذا الاستياء العام من الضربات الأميركية يوضحه أبو وسام، المقاتل في صفوف «المعارضة المعتدلة» بمحافظة إدلب شمالي سوريا، قائلا: «الجميع يشعر بالغضب إزاء القصف الجوي، فعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية بح صوتنا ونحن نطالب بالدعم الغربي ضد النظام، واليوم تقتصر الضربات على داعش». ثم يضيف موضحاً أن القصف الجوي يضعف التنظيم الإرهابي، لكنه أيضاً «يقوي النظام».

 

غير أنه منذ الجدل الذي أثاره اختيار الأهداف في الأيام الأولى للحملة الجوية، ركزت معظم الطلعات الجوية على المحافظات السورية الثلاثة في الشمال التي تسيطر عليها «داعش» كجزء من دولتها المزعومة التي أعلنتها والتي تمتد داخل الأراضي العراقية.

وفي جميع الأحوال يصر المسؤولون الأميركيون على فعالية الضربات في استهداف «داعش» وتحقيق الأهداف الأساسية للحملة الجوية والمتمثلة في تقويض التنظيم والقضاء عليه تماماً، وهو ما أكدته المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماري هارف، أمام الصحفيين يوم الجمعة الماضي، بقولها: «تضرب الطائرات الأهداف المسطرة، فنحن نستهدف مواقع داعش ونضرب دباباتها وأسلحتها، وبالطبع يساعد ذلك كثيراً في تقويضها». ويبدو أن تلك الضربات الجوية كان لها تأثير فعلي على تحركات التنظيم على الأرض، حيث أفاد سكان المناطق التي يسيطر عليها أن القصف الجوي دفع المسلحين إلى تفادي الظهور العلني والتواري عن الأنظار، وهكذا وبدلا من استعراض الأسلحة والعربات الأميركية في شوارع الرقة، بعد أن غنموها من الجيش العراقي، بات المسلحون أكثر حذراً ويقودون سيارات دون شعار التنظيم.

لكن مع ذلك لم تؤدِ الضربات الجوية فيما يبدو إلى زحزحة «داعش» من مواقع سيطرتها، وتخفيف قبضتها على المناطق التي تواجدت فيها، كما لم تؤثر الحملة الجوية على قدرة التنظيم في شن الهجمات والاستيلاء على مناطق جديدة، كما يدل على ذلك الحصار الذي تفرضه «داعش» على مدينة كوباني (عين العرب) في الشمال السوري، فعلى مدى أسبوعين زحف المقاتلون بكل حرية على سلسلة من البلدات القريبة من المدينة، ولم تتدخل أميركا بثقلها إلا بعد اقتراب التنظيم من كوباني وتهديدها لسكانها الأكراد، وقد سارع المسؤولون الأميركيون إلى تبرير ردة فعلهم تجاه زحف التنظيم على كوباني بالقول إن الضربات الجوية تندرج ضمن استراتيجية تهدف في المقام الأول لانتزاع المكاسب التي حققتها «داعش» في العراق، حيث قال الأدميرال جون كيربي، المتحدث باسم البنتاجون، للصحفيين خلال الأسبوع الماضي: «إن الهدف في سوريا هو ضرب قدرة التنظيم على تموين نفسه، والحصول على المال، فضلا عن تقويض مراكز القيادة، وحرمانهم من الملاذ الآمن الذي توفره لهم الأراضي السورية».

وإلى ذلك فإن المجهود الأميركي في العراق يستند إلى حلفاء يدعمون الضربات الجوية ويملؤون الفراغ، بمن فيهم القوات العراقية وقادة إقليم كردستان، فهؤلاء الحلفاء يستطيعون في بعض المناطق على الأقل إرسال قوات برية للاستفادة من الضربات الجوية.

لكن في سوريا كشفت الضربات الجوية غياب شركاء لأميركا على الأرض، فالمتمردون المعتدلون الذين ينتظمون في إطار «الجيش السوري الحر» تم إخراجهم من معاقل «داعش» في الشمال الشرقي لسوريا بعد المعارك الشرسة التي دارت الصيف الماضي، ولا وجود لهم في المناطق التي تتعرض لقصف الطائرات الأميركية، وفي المنطقة الوحيدة بالشمال السوري التي تعرف وجوداً لـ«الجيش السوري الحر» وتشهد معارك مع «داعش»، وهي حلب، فإنها لم تتعرض للقصف، رغم مطالبة المعارضة المعتدلة بذلك، بل إن النظام السوري شن هجوماً على المنطقة الأسبوع الماضي في محاولة لقطع خطوط الإمداد على المتمردين في مدينة حلب وفصلها عن الجنوب. هذا التناقض في الاستراتيجية الأميركية بين ضرب «داعش» وتقوية نظام الأسد، عبّر عنه «نوح بوزني»، كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية، والذي يراقب المعارك الجارية في الشمال السوري انطلاقاً من تركيا، قائلا: «هناك انفصال بين السياسة الأميركية المعلنة التي تقر بضرورة وجود قوات برية على الأرض تدعم الحملة الجوية، وبين ما تقوم بها فعلياً من تقويض لتلك القوات مثل ما هو عليه الحال بالنسبة للجيش السوري الحر»، مضيفاً أنه إذا لم تسارع الحكومة الأميركية لدعم الجيش السوري الحر، «فإنه بعد سنة لن يبق هناك أي من المقاتلين المعتدلين في سوريا»، والنتيجة أنه حتى المتمردين المعتدلين الذين حصلوا على التأييد الأميركي بدؤوا بسحب مساندتهم للحملة الجوية الأميركية بعد أن رحبوا بها في البداية، حيث أصدرت «حركة حزم»، والتي اختيرت بعناية للحصول على صواريخ أميركية مضادة للدبابات، بياناً اعتبرت فيه الجهود الأميركية «مؤشراً على الفشل العام للاستراتيجية الأميركية، مما قد يكون تأثيره مدمراً على عموم المنطقة». كما يقول المتمردون إنهم وُضعوا في موقف حرج بعد أن طلب منهم دعم استراتيجية أميركية لم يستفيدوا منها شيئاً، بل جلبت عليهم استياء السوريين، لذا فهم يصرون الآن على عدم تأييدهم للضربات الجوية ما لم تتمدد الاستراتيجية لتشمل إسقاط نظام الأسد، وهو الموقف الذي تتبناه تركيا التي تستضيف قيادة المتمردين فوق أراضيها.

وعن هذا التغيير في موقف المعارضة السورية، يقول سالم البرين، القائد بالفيلق الخامس، وهو أحد التنظيمات التابعة للجيش السوري الحر، «لا مشكلة لدينا في استهدف داعش وضرب معاقلها، لكن السوريين لا يعتقدون أن القصف الجوي يجري لصالحهم، بل يرون أن كل جهودهم على مدى السنوات السابقة لإسقاط الأسد يتم تقويضها، فيما تضحياتهم الجسيمة لم تعد تساوي شيئاً أمام تقدم داعش، وهذا ما يقودنا إلى مطلبنا الأساسي بضرب الأسد، حينها فقط قد يغير الناس رأيهم ويساندون الحملة الأميركية.

الاتحاد الاماراتية