الرئيسية » دولي - تقارير » الإرهابي «دوبلير».. فقط لا غير

الإرهابي «دوبلير».. فقط لا غير

القضاء على الإرهاب مستحيل، لأن العالم يحارب عدواً لا يجد له تعريفاً، ولأنّ هناك دولاً وحكومات إرهابية تقول إنها تحارب الإرهاب، ولأنّ الإرهابيين يحاربون بعضهم، ولأن الذي كان بالأمس مقاومة صار اليوم إرهاباً، وما كان بالأمس إرهاباً أصبح اليوم مقاومة، ولأن المنظمات الإرهابية ليست نبتاً شيطانياً، ولكنها موظفة عند دول وأجهزة استخبارات، ولأن الخفي في المسألة الإرهابية أضعاف المعلن والظاهر، ولأن الموقف من الإرهاب وتعريفه موقف براجماتي مصلحي نفعي عند البعض، وموقف عاطفي عند البعض الآخر.

«الحوثيون» و«القاعدة» مثلاً في زعمي على الأقل تنظيمان إرهابيان.. وهناك الآن مواجهات طاحنة في اليمن بين «الحوثيين» و«القاعدة »… لكن جل الناس في الأمة العربية على الأقل يلجأون إلى التقييم العاطفي المذهبي عند الحديث عن هذين التنظيمين، وهذا التقييم العاطفي لا يرى أبداً أن التنظميين إرهابيان بنفس المستوى من الدموية والعنف، فهناك من يرى أن «القاعدة» يمثل السُنة في الحرب ضد الشيعة «الحوثيين»، وفريق آخر يرى أن «الحوثيين» يواجهون تنظيم «القاعدة» الإرهابي، هناك فريق يتعاطف مع «القاعدة»، وفريق يتعاطف مع «الحوثيين»، ولا يوجد فريق ثالث يصنف التنظيمين على أنهما إرهابيان معاً وبلا تفرقة.

حين انبرت الولايات المتحدة لبناء التحالف الدولي ضد «داعش» نظرت أيضاً إلى الإرهاب نظرة أحادية، فالإرهابي هو الذي يهدد مصالح أميركا ويقتل مواطنيها، لذلك سمي التحالف تحالفاً دولياً ضد «داعش»، ولم يسم التحالف الدولي ضد الإرهاب، لأن الإرهاب ليس له تعريف سوى أنه الذي يهدد مصالح أميركا.. وقد بررت الإدارة الأميركية حربها على «داعش» وحده بأنه يهدد مصالحها ويقتل مواطنيها، لكن أميركا نفسها لم تسم جماعة فجر ليبيا مثلاً جماعة إرهابية، وعندما احتلت هذه الجماعة السفارة الأميركية في طرابلس قالت السفيرة، إن السفارة تحت الحماية ولم تتعرض للاحتلال.. كما رفضت فكرة جمع السلاح من الميليشيات الإرهابية في ليبيا، واعتبرت حمل السلاح عملاً مشروعاً، وكل الميلشيات الإرهابية في ليبيا تعمل تحت حماية ودعم وتمويل دول وأجهزة استخبارات متعددة.

وليس صحيحاً أبداً أن العالم موحد ضد الإرهاب.. لأن هذا العالم يتعامل مع كل القضايا بمعايير متعددة، وليست مزدوجة فقط.. كما أن كل قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالإرهاب قرارات ذات معايير متعددة، وهي أيضاً حبر على ورق لأنها تفتقد آليات التنفيذ، وتصطدم بحق النقض للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.. لذلك غالباً ما يكتفي المجلس ببيانات لا ترقى إلى القرارات تجنباً لحق النقض.

تنظيم «الإخوان» هو الأب الشرعي لكافة التنظيمات والجماعات الإرهابية، ومع ذلك يجد دعماً وتأييداً وتمويلاً من دول كبرى كثيرة.. كما يحكم دولاً أخرى، ولا يمكن بالطبع أن توافق هذه الدول على أنه تنظيم إرهابي.. والإرهاب الذي كان في الماضي محسوباً على المعارضة أصبح الآن حاكماً وقفز إلى السلطة في دول عدة.. وحين يتم بناء تحالف دولي ضد الإرهاب، لا بد أن تضحك وأضحك معك، ونحن نرى دولاً يحكمها الإرهاب، ودولاً تدعم الإرهاب، ودولاً تموله أعضاء في هذا التحالف.

والمشكلة الأخطر أن التحالف الدولي ضد «داعش» أو ضد الإرهاب تحالف فوقي سلطوي، بينما لم يستطع أحد بناء تحالف شعبي عالمي ضد الإرهاب.. لأن الشعوب في حيرة من أمرها بسبب تناقض الأنظمة الحاكمة في النظرة إلى الإرهاب وتعريفه.

الشعوب ترى سكوتاً مريباً مثلاً على إرهاب إسرائيل، بل وترى تأييداً لهذا الإرهاب بوصفه دفاعاً عن النفس، وإرهاب إسرائيل أيضاً إرهاب ديني، ويغذي التطرف الديني المقابل، وهذا يعني أن إسرائيل تدعم الإرهاب وهي تزعم أنها تحاربه.

القضاء على الإرهاب مستحيل لأنه إرهاب فكري، وإرهاب إعلامي، وإرهاب في السلوك اليومي للناس.. والتعامل مع الإرهاب بانتقائية مشكلة المشاكل وأم الكوارث.. هناك إرهاب حتى في الحوار العادي بين الناس.. والأدهى والأمر أن هناك من يبررون الإرهاب، ويلتمسون العذر للإرهابيين.

والحل مستحيل، وهو أن يتعامل العالم مع الإرهاب كصفقة واحدة، تماماً مثل مسألة التعامل مع ما يسمونه العداء للسامية، وهذه الجريمة المفترضة أو حتى الوهمية كانت وما زالت سيفاً على رقاب الناس جعلهم يخافون تماماً من أي انتقاد لإسرائيل على أساس أن هذا الانتقاد عداء للسامية.. فإسرائيل وحدها هي السامية، وهي التي يعد نقدها حراماً.

وهناك أمر خطير آخر، وهو أن هناك دولاً وحكومات تهادن الإرهاب، أو تشتري ولاء الإرهابيين، أو تستخدمهم ضد خصومها من الدول الأخرى.. وهذا أمر تفعله دول كثيرة جداً في العالم، كما أن التنظيمات الإرهابية تخوض حروباً بالوكالة عن دول وحكومات وأجهزة استخبارات إقليمية ودولية. فالحروب الحالية، أو ما يطلقون عليه الجيل الرابع من الحروب ليس بين جيوش واضحة المعالم، ولكنه بين أجهزة استخبارات تعمل المنظمات الإرهابية لحسابها، فلا عجب أن تكون دولة ما عضواً في التحالف الدولي ضد الإرهاب، بينما جهاز استخباراتها يدير المنظمات الإرهابية، لذلك تظل الأسئلة كلها بلا إجابات في المسألة الإرهابية – لأن «ما خفي فيها أعظم»، ولأن التنظيمات الإرهابية ليست سوى الجزء الضئيل الظاهر من جبل الجليد العملاق، ولأنها مجرد دمى على مسرح العرائس الكبير تحركها أصابع خفية خلف الكواليس – والذين يتخيلون أنهم يحاربون الإرهاب ربما يعرفون أو لا يعرفون أن هذه المنظمات الإرهابية ليست سوى مجاميع كومبارس، وأن البطولة المطلقة في المسألة الإرهابية لأجهزة الاستخبارات، فالجماعات الإرهابية ليست سوى (دوبلير) فقط لا غير.. وما خفي أعظم، والله وحده أعلم!