الرئيسية » سياسة » كوميديا الانتخابات ..ذوبان البرامج الانتخابية

كوميديا الانتخابات ..ذوبان البرامج الانتخابية

 
بغداد /SNG-وسط فوضى الانتخابات البرلمانية المزمع إجراءها في العراق نهاية نيسان/ أبريل الجاري، تجتاح العراقيين موجة من السخرية المرة، أو الكوميديا السوداء. شوارع المدن وجدرانها تتقيأ إعلانات المرشحين وهي تحمل صوراً لكائنات غريبة تدّعي ما لا تملك، وتروِّج للأكاذيب. ومثل كل المواسم الانتخابية الماضية، تغدو الدعايات الانتخابية في أيامها الأولى مدعاة تندّر وضحكات السمار، إذ لا تعدم أن تجد عدّة شبّان في بغداد يتحلّقون حول ملصق إعلاني لإحدى الكتل وهم يتصورون معه بهواتفهم المحمولة، ليحيلوه فيما بعد إلى نكته على «فايسبوك» يظل مفعولها سارياً لأكثر من 24 ساعة. وتصبح هذه السخرية ردّة فعل على السنوات الأربع من عمر البرلمان الذي فشل في تشريع أبسط القوانين التي تهم حياة المواطن.

سباق على المكان

في ليل 31 آذار/مارس، وهي الليلة التي سبقت اليوم الذي عينته مفوضية الانتخابيات لانطلاق الترويج الانتخابي في العراق، خرج الشبّان العاطلون عن العمل، والذين وفّرت لهم الأحزاب شغلا هو تعليق صور مرشحيهم في شوارع العاصمة والمحافظات الأخرى، للتسابق على الأماكن الرئيسة في الشوارع. تحوّلت العاصمة العراقيّة مركزاً للدعاية، استغل المرشحون كل ما يمكن استغلاله لتعليق صورهم، أعمدة الكهرباء، الجدران، الساحات العامة، مواقف الباصات، وابتكر آخرون أعمدة تزرع عشوائياً على الأرصفة تحمل ملصقاتهم الدعائية، بعد أن اتخمت الأماكن بإعلانات المرشحين، حيث لم يبقَ فيها فراغاً للصق طابع بريدي. المفوضية كانت حذرت من هذه الظاهرة، ونسقّت مع أمانة بغداد (الدائرة المسؤولة عن 14 بلدية في العاصمة) من أجل رفع الصور التي تستغل الأماكن العامّة وتغريم الكتل السياسية المسؤولة عنها مبالغ كبيرة. إلا أن شيئاً لم يتغيّر على الرغم من تغريم أكثر من أربعة عشر كياناً سياسياً نتيجة تلك المخالفات مبالغ تصل الى خمسين مليون دينار (نحو أربعين ألف دولار).
مناطق نفوذ التيار الصدري مزّقت ملصقات دولة القانون وهي قائمة رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي، ووظّفت قائمة الأخير شبّانا من أجل تمزيق صور المرشحين الصدريين، أما التحالف المدني الديموقراطي (الذي افتى أحد رجال الدين بتكفيره) فقد أُلصِقت فوق ملصقاته صوراً لرجال دين معمّمين يخوضون غمار الانتخابات. أما في محافظة نينوى، فإن «أزمة المكان» دفعت ائتلاف «متحدون» إلى اتهام ائتلاف المالكي باحتكار كافّة الأماكن التي تصلح لتعليق ملصقات الدعايات الانتخابية. وفي محافظة كركوك، يتهم العرب الكرد باحتكار منصّات الملصقات أيضاً، عادّين أن ما يحصل هي حرب قوميّة من أجل الاستحواذ على أصوات الناخبين.

متدين حسب الطلب

أحد المرشحين «المسيحيين» أعلن إسلامه «على ولاية محمد وآل محمّد»، مدغدغاً بذلك شعور سكّان المناطق «الشيعية»، التي ربما قد يحصل على أصواتها تعاطفاً معه. إلا أنه يتحوّل فجأة إلى «معتنق الإسلام على دين محمّد»: يسقط آل محمد فجأة، للحصول على الأصوات من جانب «السّنة». هكذا يبدأ المرشَّح بالتحوّل من منطقة إلى أخرى، ومن مذهب إلى آخر من أجل دخول البرلمان. لكنه لا يكتفي بهذا الحد، فيحوّل شعاره في المناطق المتحررة إلى «الدين لله والوطن للجميع». وقد تكون له في مناطق مسيحية دعوة تبشيرية للثبات على الدين من أجل الدفاع عن حقوق الأقليّة المستلبة… من يدري؟!

مشرِّعة وعبدة؟!

لكن هذه الانتخابات التي يشارك فيها نحو 1040 مرشحاً، أظهرت عمق أزمة المجتمع الذكوري، التي تعرقل صعود المرأة إلى قبة المجلس التشريعي. فهي لم تحصل على حقّها في الترويج، إذ خبأت وجهها. سيكون الأمر ساخراً ومرّاً حين تضع امرأة صورة زوجها بدلاً عنها في ملصقها الانتخابي في أحد شوارع العاصمة، أو حين تضع صورة أخيها للتعريف عن نفسها بأنها «أخت فلان». ارتضت هذه المرأة التي من المفترض انها ستدافع فيما بعد عن حقوق المرأة والطفل في البرلمان، أن تكون تابعاً ذليلاً للذكورية. «الحرام» الديني المشرعن سياسياً يمنعها من إظهار وجهها، والأعراف الاجتماعية السائدة تحرم عليها الظهور في ملصقات حملتها الانتخابية. ما الذي ستفعلينه في البرلمان إذاً؟ أو هل سيقبل زوجك حضورك جلسات البرلمان إذا لم يكن في مزاجٍ جيّد؟ إلا أن لا أجوبة على هذه التساؤلات. لن يصل أحد ـ ربما – إلى هذه المرشّحة إلا بموافقة الزوج، أو سيكون الزوج نفسه هو المتحدّث بدلاً عنها لأن صوتها «عورة». كيف يتمكن للقن المقيد كسر قيود غيره؟
بمقابل هذا، تحوّلت صور المرأة السافرة وكأنها دعاية لنجمات «البورنو»! لم تسلّم شابة أو مسنّة من الاعتداء. سارع العراقيون إلى إخراج ذكوريتهم وفردها على صفحات الفايسبوك. حوّر هؤلاء الأهداف عبر «الفوتشوب». وضع أحد الجنود في الجيش العراقي صورة مرشّحة في غرفة نومه في الثكنة العسكرية ليمارس عليها العادة السريّة، وقام جندي آخر بالتقاط صورة له وهو يقبّل مرشحة من شفاهها، فيما اجتمع شبّان كالذباب حوّل مرشحة ثالثة ليقبّلوا صورتها. جرّدت المرأة من حقها المدني في خوض العمل السياسي، وتحوّلت إلى أداة للسخريّة والكبت. هؤلاء ليس باستطاعتهم تخيّل أن المرأة كانت في الدورة البرلمانية السابقة الأكثر حضوراً لجلسات البرلمان، والأقل فساداً بين الرجال. العقليّة التي تنظر إلى المرأة بدونية لم تتغير بعد مرور أكثر من عقد على «الديموقراطية» التي كان من المفترض أن تنتج ثقافتها.
أما دعاة الدولة المدنية من الناشطين، فاظهرت الدعايات الانتخابيّة حالة الفصام لدى البعض منهم. حوَّل بعض الشبّان شابّة غير محجّبة تنتمي إلى إحدى الأحزاب الإسلامية إلى «عاهرة» عبر تعليقاتهم على صفحات التواصل الاجتماعي. لم يفطن هؤلاء أبداً إلى أن الحزب «الديني» بدأ التماهي مع الفورة المدنية التي اجتاحت الشارع بعد فشل الأحزاب الإسلامية بإدارة البلاد. لم يفطن هؤلاء أيضاً أن الحراك المدني هو الذي أدى إلى إجبار حزب ديني على إقحام فتاة غير محجبة في صفوفه وزجها في قائمته الانتخابية. لم ينتبهوا إلى أنهم يدمرون ما صنعوه أثناء لحظات الانفصام تلك والانقلاب على الواقع.

للسخرية مأساتها

لكن للسخريّة مأساتها أيضاً، حيث حشّدت بعض الكتل السياسية المنافسة في الانتخابات شبّان عدّة على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل السخريّة من مرشحين بعينهم وتسقيطهم. ظهرت مقاطع فيديو متقنة لتسقيط الخصوم، ودبلجات عديدة من أجل سحب الأصوات من بعض المرشحين. تنتشر هذه بسرعة كبيرة، يتلاقفها الشبّان الساخطون على الأوضاع دون معرفة منهم بأن هذا فخ أوقعهم فيه السياسيون أنفسهم. يأخذ التأكّد من صحّة الفيديو أو الصورة وقتاً. يكلّف شبّان مراقبون لهذه المحرَّفات وقتاً لمعرفة اللعبة السياسية التي تقف خلفها، وسرعان ما يعلن أحد الشبّان أو المراقبين فحوى مقطع الفيديو أو الصورة التسقيطية وما المُراد منها، فيتراجع الجميع. لكن التراجع يكون قد خلّف وراءه موجة سخط كبيرة على الكتلة المستهدفة، تكون الكتلة خسرت أصواتاً عديدة، وربحت الكتلة المُسقِّطة ما أرادت.

الانتخابات موسم رزق

وبالرغم من سوءات الدعايات الانتخابية وتشويهها لوجه العاصمة والمحافظات الأخرى، إلا أنها في الوقت ذاته موسم رزق للبعض. فأغلب الدعايات مصنوعة من مادة البلاستيك «الفليكس»، التي يستخدمها مربو الحمام فوق أقفاص طيورهم وقاية لها من الحر صيفاً ومن المطر شتاء، حيث أنها مادّة عازلة جيّدة، وها هم ينالون منها بقدر حاجتهم وأكثر. أما الشبّان من سكان العشوائيات فهم يبيعون الإطارات (غالباً ما تكون من حديد) التي توضع فيها الصور: يسرقون إطارات البعض ويبيعونها إلى البعض الآخر.

من:عمر الجفال/جريدة السفير

اضف رد